محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٦ - الخطبة الأولى
لا يكفي الإنسانَ أن يعرف غاية الحياة ويُجلَّها، ويُعطيَ من نفسه الاستعداد للتهيّؤ لها، وإمضاء حياته في سبيلها.
إنّه لا يهتدي الطريق بنفسه إلى ذلك بعد أنْ كان يعيش الجهلَ الكاملَ بأمر آخرته، وهي غيبٌ كامل بالنسبة إليه لا يعرف عنها شيئًا من نفسه وإنْ عَرَفَ أنها كائنة ولابد منها بأيِّ مُعرِّفٍ له بذلك.
فالطريق إلى كسب الآخرة، ومعرفة إعداد النفس لما تقتضيه طبيعتُها وأجواؤها وشروطُ السعادة فيها، وما يُوجب شقاءها كلُّ ذلك يحتاج الإنسان إلى أن يتلقّاه من الله العليم الخبير، مُعيدِ الحياة، وخالقِ الآخرة.
فصار لابدّ من معرفة الله سبحانه لمن أراد التعرُّف على طريق الغاية، وكيفيّة إعداد الذّات إعدادًا يتناسبُ معها.
معرفةُ الغاية لهذه الحياة، والتصديقُ بها، والتوفُّر على طريقة تكييف النفس لمقتضاها محتاجٌ كلُّه قطعًا إلى معرفته سبحانه، والانسجامِ مع ما تستوجبه هذه المعرفة.
٤. حاجة الحياة الحاضرة:
يعلم الإنسانُ بفضل من الله سبحانه قليلًا من أمر الدنيا، وهو على تراكُمِه، إلّا أنّه يبقى جاهلًا بالكثير من أمرها.
يكفيك أنَّ الواحد من النَّاس جاهل بذاته، أعمى عمّا يفاجئه في غده، ينسى ما ينسى من ماضي حياته.
وهو أجهل من أنْ يُحيط علمًا بمن في مجتمعه فضلًا عن المجتمع الإنساني في امتداده وسعته، وبكلّ ما يدخل في إصلاح الإنسان ومجتمعه، أو يحيط علمًا بكلّ ما له من تأثير عليه من بيئته والكونِ الذي يعيش فيه.
وعِلْم النّاس مجتمعًا لا يمكن له أن يتوفر على هذه الإحاطة.