محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٤ - الخطبة الأولى
وكيف لا يدعو التفكير إلى البر وهو يعرّفنا قدر ما عليه الدنيا من شأن حقير، وما عليه الآخرة من شأن كبير، وما يعنيه البر من كرامة النفس، وعدمُه من هوانها، وما يؤدّي إليه البر من سموّ، وما يعقبه تركه من انحطاط؟!
وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" تعلّموا العلم ... يُنزل الله حامله منازل الأخيار، ويمنحه مجالس الأبرار في الدنيا والآخرة ١٣" ١٤.
من كان له علم صحيح، ومعرفة نقيَّة صادقة كان له من ذلك مقتضٍ لأن يكون من الأخيار، ويلحق بالأبرار، فينال ما نالوه من منزلة عالية ومقام رفيع ١٥.
وما من عمل سيّء أو صالح إلَّا وكان له أثره النابع من طبيعته في ذات فاعله، ومردودُه المناسب له على تفكيره، وشعوره، وإرادته، وجزاؤه الموافق له الذي قدّره ربّه ١٦.
الفعل يُحدث ظلمة أو نورًا من جنسه، ويقرُب بالنفس من هداها أو فجورها، ومن الرشد أو الغي أو الانحلال.
فالبر وهو خير، وينطلق فعله من تقدير الخير، وحبِّ الخير، والانجذاب له، وحمل النفس على فعله لابد أن يُعطيَ عطاءه الكريم الوفير في ذات صانعه، وفيما يعود على أوضاعه في دنياه، وعاقبته في آخرته.
وما أعظمَ ما يُعطيه البرّ، وما أسناه، وما أبقاه، وما أكرمه!!
يُعطي التقرّبَ إلى الله، وما معنى التقرّب إلى الله؟ ١٧ هناك بُعْدٌ عن الله سبحانه، وهناك قُرْب. البعد عنه عزّ وجلّ يكون بسقوط الذات، وتردّي صفاتها بارتكاب الفجور. ويكون القرب منه سبحانه بسموِّ الذّات، وعلوّ صفاتها بالبر والتقوى والعمل الصالح.
فما قَرُب عبدٌ من عباد الله إليه سبحانه إلا بمقدار ما كان له من حظٍّ من كمال الذات ونزاهتها وطُهرها وجمال صفاتها ١٨.