محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٢ - الخطبة الأولى
أُعطوه من هدى بحسب الفطرة يتنزّل من الله سبحانه لقيادة حياتهم، ويتنزل على قلب رسول أمين يعلمُه، ويفقهُه، ويحفظه، ويبلّغه، ويأخذ بكلّ هداه في قيادة الحياة [١].
والقرآن أتمّ هدى، وأوسع هدى، وأبقى هدى في النّاس لا يُبقي عند حملة علمه الكامل على الحقيقة شيئًا من الاشتباه بين حقٍّ وباطل، صحيحٍ وخطأ في أيّ قضية من القضايا التي تحتاجها الحياة، وتصنع للإنسان سعادته أو شقاءه، وتُحقّق له كماله، أو تنحدر به عن مستواه. إنّه فارق بكامل الدّقة والتمييز علمًا وأخذًا وردًّا، نفعًا وضرًّا بين ما هو حقٌّ وباطل.
(وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) [٢].
يمكن لأحد أن يأتي بكتاب يدّعي أنه من وحي الله إليه وتكونَ له صِبغة من إبداع وجمال، وفيه حِكَم وفوائد، ولكن وهو مكذوب على الله سبحانه لا يمكن أن يحمل شاهدًا من نفسه على عصمته، وامتناعه على القدرة البشرية، وأنَّ الجنّ والإنس لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
أما القرآن الكريم فهو يحمل شاهده من صدقه، ومن فشل كل محاولة نقد تتصدّى إليه، وكلّ جهد لمجاراة مستواه، وسقوط كلّ نتاج بشري يطمح لرقيه، وتقادم كلّ جديد أمام جِدَّته، ويأس كلّ ما بذل في سبيل موازاته. هذا واقع وقد خاص معاندون ومغرورون وواهمون كلَّ هذه المعارك مع القرآن الكريم وسقطوا واندحروا مهزومين. وها هو القرآن يتحدّى ما بقي إنس أو جان كلّ الإنس والجان فيقول: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُ
[١]- الناس محتاجون للكتاب و للرسول صلّى الله عليه و آله.
[٢]- ٣٧/ يونس.