محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٩ - الخطبة الثانية
أما بعد فإلى بعض كلمات:
استغلال السياسة للدّين:
هناك سياستان سياسة دينية، تقوم على أساس الدِّين وتأخذ به، وسياسة غير دينية لها أساسُها الآخر من مصلحة حزبية، أو قومية، أو قبلية، أو قُطريَّة مثلا، أو نظرة علمانية أو شخصيّة أو غيرها.
السّياسة الدينيَّة لابدَّ من حاجتها إلى الدّين وهي تنطلق منه وتأتمر بأمره، وتنتهي بنهيه، وهي في خدمة الدِّين، ونظرها لمصلحته وظهوره وقوته.
والسياسة الأخرى منها ما تتكفّل بإدارة شؤون بلد إسلامي، وشعب مسلم، ومنها ما دون ذلك.
وهذه السياسة التي لا تعتمد الدّين أساسًا ولا تُقدِّره تضطرّ أن تُراعي إسلام الشعب بقدر قوّته، وقوّة تمسكه بالإسلام، وغيرته عليه تجنّبًا للتصادم بينها وبين الشعب تصادمًا تخاف على نفسها من عواقبه حتّى إذا اطمأنّت من هذا المحذور لقدرتها على البطش لم تكترث في الإسلام على المكشوف، وواجهته مواجهة صارمة في كلِّ مساحته، ذلك لأنه عائقٌ لها لمفارقتها إيّاه منطلقًا وهدفًا وممارسة، ويُمثّل تهديدًا جديًّا لها ما لم تفقده قدرة التحرُّك في وجهها بالقضاء على جِدّيته، ومناهضته للطاغوتية والظلم والاستكبار، ووضعه في الإطار الذي تأمن به من مشاكسته، بل وتطمئن معه إلى سهولة استغلاله.
للسياسة القائمة على أساس من غير الدين بالنسبة له حاجتان: حاجةُ أن تأمن ثورته، وحاجةُ أن تستغلّه، وتُغرّر به الشعب المسلم الذي تحكمه، وتثير فيه عاطفته الدينيّة وتُحرّكها في الاتجاه الذي تختاره حيث ما تفرضه حاجتها كحاجة الحرب التوسُّعيّة، أو التأليب الظالم على طرفٍ داخليّ، أو جمع المال لصالحها، وغير ذلك من المقتضيات التي تتطلّب استغلالَ الدّين، وتوظيفه لخدمة الدولة الدنيوية.