محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٠ - الخطبة الأولى
ثمّ إن من آنسه الله سبحانه بذكره فقد أحبّه حقًّا لأنَّ في ذلك رقيَّ العبد وسلامته، ونجحَه وفوزه.
وأيُّ بغض للعبد أشدّ عليه- لو انتبه- من بغض الله له الذي يفقده الخير كلَّه؟!
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثُّمالي:" إلهي ... ارحم في هذه الدنيا غربتي وعند الموت كربتي .... حتّى لا أستأنس بغيرك. يا سيدي إن وكلتني إلى نفسي هلكت ...." [١].
في الخلق جمال من هبة الله، وفيهم أُنسٌ لبعضهم البعض من عطائه ولكن ولأنه لا جمال كجماله المطلق، من عرفه وانجذب إليه ورُزِقَ الأنس به أنساه جمالُه كلَّ جمال، ولم يكن لشيء من دونه أن يجذبَه إليه، ولا يملك أن يؤنسه حالَ كون الله سبحانه أنيسه.
وكما أنّ مَنْ دونه وما دونه عزّ وجلّ لا يظهر له أُنسٌ من غيره لمن وجد الأنس به، فكذلك لا يدخل فقدُ شيءٍ بالوحشة على نفسه، وهو مأنوس بذكر الله عزّ وجل.
وهذا ما تقول به الكلمة عن الإمام زين العابدين عليه السلام وهي مما كان يدعو به في بعض نوافل يوم الجمعة:" اللهم أنت آنس الآنسين لأودّائك .... إذا أوحشتني الغربةُ آنسني ذكرك" [٢].
ومن الغربة أن يعيش المرء المؤمن العارف بين فسَّاقٍ وجهّال.
والحديث في الأنس بالله كثير كثير.
وكيف لا يأنس العارف بالله سبحانه، المطيع له به، وكيف لا يستغني به عن كلّ أنيس؟!
[١]- مصباح المتهجد ص ٥٩٣ ط ١.
[٢]- المصدر السابق ص ٣٧٨.