محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٥ - الخطبة الأولى
الخطبة الأولى
الحمد لله المنشئ للخلق، ولا مُنشئَ للخلق غيره، ولا مصيرَ لشيءٍ من خلقه بيد أحدٍ سواه، ولم يكن لأحد أن يستقِلّ عن إرادته، أو أن يجدَ خيرًا إلّا من عنده، وبإذنه، وما يُرزق عبدٌ من رزقٍ إلّا بتقديره، ولا موقع لذرّةٍ، وما أقلّ منها في الكون إلّا من صُنعه، ولا خافية في الوجود عن علمه، ولا شيء قد مضى أو يأتي إلّا وهو محيطٌ به، وأجله بيده، ولا ضياع في علمه به.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله إن تكن الدُّنيا فانية فإنّ الآخرة للبقاء، وإن كان الموتُ لابد أن يوافي كلَّ من في هذه الحياة فكلّ ميّت من العباد واجدٌ حياةً بعد موت. والحياة في آخر مرحلة لها إنما هي إلى خلود.
وحياة تُستَقبَل بعد هذه الحياة، وتكون للدّوام إنما تأخذ قيمتها وكونها حياةَ سعادةٍ أو شقاءٍ من دور الإنسان في ما نحن فيه الآن من حياة.
فالحياة الدنيا على هذا خطرُها عظيم، وشأنُها كبير، وقيمتُها عالية، ومن فرّط فيها فقد فرّط في كلِّ شيء، وخسر كلَّ شيء، وأوقع نفسه في شقاء الأبد، ولم يجد له عِوضًا عنها، ولا تداركًا بعدها لما فرّط.
فلا عقل بلا عطب، ولا فطرة بلا فساد يسمح بتضييع الحياة الدنيا والتلاعب بها وإهمالها، أو سوء التصرف في لحظة من لحظاتها، ونسيان الآخرة، وعظيم شأنها، وما هي عليه من قدر جليل، ومنزلة عالية، وهي المنتهى، وإليها المصير، وفيها المستقرّ.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.