محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٥ - الخطبة الثانية
المبدعِ في الحقول الأخرى، وتعيش مجالات الحياة المختلِفة فيهما حركتها الإنتاجية إلى حدّ طبيعي أو كبير.
بينما تشغل الحرب الداخلية كلّ الأطراف، وتشدها إليها شدًّا متوترًا بدرجة أكبر، وتجعلها تُشارك فعلًا في تحطيم البلد، وعملية الإضعاف والاستنزاف لكلِّ القوى، وتستقطب كلَّ الأطراف باعتبارها أطرافًا مشارِكة متجاذبة متقاتلة عن أيّ إبداع فكريّ، وإنتاج عملي إلَّا ما يُغذّي الحرب ويُوسّعها ويُعمّقها ويمدّها بأسباب الفتك والاجتثاث والاستئصال التي تُسهم في حرق الوطن، وتجتمع على التعجيل بإنهاكه وتدميره.
ومن بعد حرب بين بلدين تبقى العلاقة متشنِّجة بين شعبيهما، وتستمرّ المقاطعة إلى حين، وهي علاقة متعِبة لهما ومستتبعة خسائر، ولكن كلُّ ذلك لا يُساوي شيئًا مما تُعقبه حرب الداخل من توابع وذيول وتصدُّعات وتوترات وتعديات وعداوات في احتكاكات الأسواق والمؤسسات والمدارس والشوارع والدوائر والمعاملات بين أبناء الشعب الواحد الذين يلتقون يوميًّا وتتشابك بينهم المصالح بصورة كبيرة، وتكثر التفاعلات، ويتبادلون الحاجة الشديدة للتفاهم والتعاون وحل المشكلات المشتركة العامة.
إنَّ البلد الواحد يبقى فاقدًا للأمن لمدة طويلة بعد التوقُّف الأولي لحربه الداخلية ليشقى أبناؤه بذلك وتضطرب حياتهم وتقلق إلى أمد بعيد.
وقد أصبح الأمن اليوم أشدّ اشتراكًا بين البلدان المختلفة، وأكبر تأثّرًا سلبًا وإيجابًا في انتعاشه وتضرره بقيامه هنا أو انحساره هناك، وهو أشدّ في هذا وذاك في البلد الواحد، ولم يعُد ممكنًا أن يعيش آمنًا في قسم منه مرعوبًا في قسم آخر، وأن يكون أمنُ هذا على حساب أمن ذاك، أو أمن ذاك على حساب هذا وإن تمتّعت طبقةٌ بما لا تتمتع به أخرى من أسباب البطش والفتك.