محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٤ - الخطبة الثانية
وهو شيءٌ يأسى له كلّ عربيّ، وكلّ مسلم غيور يهمّه أمرُ الدين والأمَّة، ويرى فيه خسارة كبرى من خسائرهما، وتهديدًا لمصير الأمة بكاملها.
وتونس وليبيا إنْ لم تبادر كلٌّ منهما لتدارك أمرها فإنّها سالِكة إلى المصير نفسه وكارثته.
ما لم يقتنع الكلُّ في أيِّ بلد عربي بالاستحالة العملية بحسب ما يُمليه ما وصلت إليه الأمة من أوضاع ذات واقع فعليٍّ حادٍّ من استمرار تفرُّد الحزب الواحد تحت أيِّ عنوان كان، والفصيل الواحد، والتوجُّه الواحد، والطرف الواحد، والقبيلة الواحدة، في تجاوزه كلّ الآخرين أو أيَّ مكوّن ملحوظ من مكوّنات المجتمع، واستخفافه بوجودهم وحقوقهم وإنسانيتهم وانتمائهم فإنَّ ظاهرة الاحتقان والانفجارات التي تعقِبُها لن تختفي من البلاد العربية، وسيبقى الخطر المهلك محدِقًا بهذه الأمة ٧.
وقد غدا عالمنا العربي والإسلامي كذلك في غالبهما بلدانًا مضطربة، وأوضاعًا قلِقة، تُنذر بفتن كبرى ونتائج كارثيَّة، وعلاقات دولية متقلِّبة بينها لا تستقرُّ على وضع، لا تنطلق من الحِسِّ بوحدة الأمة، ولا التقدير لدينها، ولا الرعاية لمصلحتها، وإنما تخضع لمصلحة الحكم هنا وهناك، وما قد تُمليه عليه علاقته مع الأجنبيّ، ويضمن له استمراره في موقع النفوذ والسلطة.
ترون أنَّ عدوَّ اليومِ من بين هذه الدول كان صديق الأمس القريب حسب المُعلن، وإن كان لا صداقة في الواقع بين هذه الدول.
وأعان الله بلدًا تجرّه السياسة الخاطئة إلى أيّ لون من ألوان الحرب الداخلية، وتقويض أمنه فإنه، وإن صعُب أمر الحرب كلِّ الحرب، وعظُمت خسائرها إلَّا أنَّ الحرب الأهلية وكلّ حرب داخلية أشدّ ضغطًا، وأشمل سوءًا، وأبلغ أثرًا.
يتحارب البلدان فتُشغِل الحربُ الجيشَ في كل منهما، وقد يسع الشعبين أو الأغلب من أبنائهما الانصراف إلى أعمال الإعمار والبناء المعتادة للبلدين، ويستمر الإنتاج الفكري