محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٦ - الخطبة الثانية
وما حَكَمَ به لا يخالط عدله ولا شائبة ضئيلة من ظلم، ولا يمسّه انحراف أو ميل يسير عن الدّين الحقّ الذي هو ميزان العدل، ولا يقربه شيء من هوى النفس والأرض والتّشهّيات.
" يتفجّر العلم من جوانبه".
تشهد بذلك كلُّ كلماته، وما طال من كلامه وما قصُر، وفي كلّ مناسباته، وكلّ مقام مما جاء فيه، وكلّ قضيّة تعرّض إليها، وموضوع طَرَقَه.
" تنطق الحكمة من نواحيه".
بلا تكلُّف، ولا حاجة للتأمّل، وتوقف فكري، وتريّث نظر. الحكمة في قلبه من الزاد الجاهز لمن يحتاجه والذي يملأ أقطار ذلك القلب الزكي، ويفيض عنه.
" يستوحش من الدُّنيا وزهرتها".
لأنه أكبر منها، ومن كلِّ ما يغري كبارًا فيها، وهو منها في علوّه على مسافة شاسعة لا يطاله منها تأثير، ولأنه يعرف مالها من مصارع عقول وقلوب وأديان قد تتراءى منها صلابة ورفعة وشموخ ثم تسقط خاسرة أمام سحرها وما هي عليه من فتنةٍ وخداع.
" ويستأنس بالليل ووحشته".
لماذا؟
لما يضيء ليل ذكره المنقطع الصادق لله سبحانه به من نور في قلبه، ويملأ عليه جوانبَه وكلّ ساحة فضائه، وما تنقله إليه مناجاته لربّه من معرفة حاضرة حيّة دفّاقة متوهّجة من محفلِ أُنسٍ تعيشه روحه، وربيع جمال ينشغل به وجدانه.
" وكان والله غزير العَبرة".