محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١٤ - الخطبة الثانية
ولا زالت روح الاستئثار، والتفرُّد بالحكم، والسيطرة المطلقة عند مختلف الأطراف هو الشيء السائد والمحرِّك الظاهر للصراع.
ولا زالت الدماء تنزف، والجراح تتعمَّق، والثروات تُهدر، والعداوات تتّسع، والقتال في استمرار، والمغالَبة محتدِمة، والبلاد تخسر على أكثر من صعيد.
ومع سيادة روح الاستئثار بالسلطة عند جميع الأطراف، وعدم التورُّع من استعمال القوّة لإخضاع إرادة الآخر، لا توجد قوّة الحسم الكافية بيد أيٍّ منها أو الجوّ العامّ المناسب والذي يسمح بصورة مطلقة بالاستخدام الحرّ لهذه القوة، والبطش المفتوح وإراقة الدماء من غير حدّ، والإسراف في سفك الدَّم.
وعلى هذا يُستبعد في ظلّ واقع الصّراع القائم، واستئساد كلِّ الأطراف، والمعادلات الرَّاهنة على الأرض من أكثر من جهة أن يتحقَّق الحسمُ لصالح الاستئثار بالسلطة، والتفرُّد بالحكم على يد هذا الطرف أو ذاك في كلِّ الساحات. هذا إن لم يكن مثل هذا الأمر مستحيلا عملًا في مستوى المدى المنظور.
وبذلك لا مخرجَ لأيّ من هذه الساحات من واقع الصراع المرير المكلف، ولتبقى بقيّة من قوة للبلدان التي تستعرُ فيها الأحداث الطاحنة، وبقيةٌ من مكانة، وفرصةٌ ما لحالة من حالات الالتئام، ومعالجة الأوضاع، ولملمة الجِراح، وتوقُّف حالة النزيف والاستنزاف، ومسلسل التدهور والدَّمار والخسائر الفادحة .... لا مخرج كذلك ولا حلَّ يمكن له أن يُحقّق صورة من التوافق القادر على الصمود على الأرض، والتمتّع بدرجة من الثبات إلا حلّ المصالحة القائم على الرّضا ولو تسليمًا للأمر الواقع.