محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٠ - الخطبة الأولى
الحمد لله الذي لا تجوز عليه التثنية ولا التركيب، ولا الزّيادة ولا النّقص والتغيير، ولا شبيه له ولا نظير، ولا مستشار ولا وزير، وهو بكلِّ شيء عليم خبير، وعلى كلِّ شيء مهيمن قدير.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عبادَ الله ما أخذت نفس بالشرّ إلَّا لسوءٍ فيها وسقمٍ وانحراف، وما استقامت على طريق الخير إلّا لهدًى وصحّةٍ واعتدالٍ ورشدٍ وصلاح.
لذا تُعرف النفوس مما تُقيم عليه من مسلكِ الخير والشرّ، وما تثبُتُ عليه من طاعة الله ومعصيته فلا تشتبه نفسٌ على أحد لا يُرى منها إلَّا الخير، ولا أخرى لا يُرى منها إلَّا الشرّ؛ فهذه نفسٌ لا قبول بها ولا عليها من الصّالحين، وتلك نفس مما تلتقي معها أفئدة الصالحين، ويجدونها مما يشتهون.
ولا ينبغي أن يتردّد أحدٌ في أنَّ نفسَهُ معيبةٌ معطوبة، وأنَّ في ذاته خبثًا وخسّة، وأنّها رديئة وساقطة وهو يجدها لا تُقبِل على خير، ولا تُقلِع عن شر. وكلّما وجد المرءُ من نفسه أخذًا بمعصية الله سبحانه فلابد أن ينكشف له سوءٌ من سوئها، فعليه أن يُسارع في إصلاحها، وإلّا فقد فرّط في حقّ أعزِّ ما يعزّ عليه مما له وهي نفسُه، وأسلَمَها للهلاك. وما من حكيم عاقل يفعل بنفسه أن يُفرِّط كلَّ هذا التفريط، ويكونُ كلّ سعيه في هلاكها.
فلنكنْ أيّها المؤمنون على عقلٍ وحكمةٍ ورشد، ولا نتركْ للنفس أن تبقى على معصية لربّها الحقّ، أو تُقدِم عليها لتكون من أهلَكِ الهالكين، ولنطلبْ لها تقوى الله في كلّ المزالق والمنعطفات، وفي كلِّ مورد من موارد الزَّلل لنكون قد أخلصنا إليها، ونجونا من أشدِّ محذور حقَّ للنفس أن تخشاه، وما يتساهل به إلّا من لم يبقَ له من رشد الإنسان وحكمته ولو قليل من رشد، وحكمة.