محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠٦ - الخطبة الأولى
ويبقى البغضُ بحقِّه وباطله سببًا من أسباب العداوة بين النّاس والكيدِ والإضرار من بعضهم لبعض، وسببًا من أسباب التجاوز في الحقوق وحتّى الحروب.
وهو عاملٌ من عوامل الفساد والظلم حيث يخِسُ منطلقه، أو يحمل النفسَ على مواقف عدائية لا تتّفق مع عدل الله وشريعته وإنْ كان هو في نفسه من منطلقٍ صحيح. وإنّه لا يكفي أن يكون بُغضي لشخصٍ أو جهة صحيحًا وبتأثيرٍ من قبحه وإيذائه لِأنْ أتّخذ منه الموقف العدائي الذي يشفي النفس، ويُطفئ ظمأها ولو كان فيه تجاوزٌ لحدود الشّريعة، ونسيانٌ لمقتضى الحقِّ والعدل.
وكُلّما انطلقت النفوس من حبِّها أو بغضها المنفصل عن خلفية الحقّ والبعيد عن رؤية الدّين أو تجاوزت الحدَّ الشرعيَّ وراء ما تشتهي شاع الفساد والاضطراب والفوضى في حياة المجتمعات، وساءت أحوالها.
ومن ميزان النفوس الذي تُعرف به، ويُشخِّصُ لك نوعَ الرِّجال ما هي عليه في حُبِّها وبغضها؛ نوعِه ومقدارِه موازَنًا بما تُحِبّ وتُبغض، ومدى ما يعطيه هذا الحبّ أو البغض من مواقف عملية تتناسب مع جمالِ وحُسْنِ ما جعلها تُحبّ، أو قبح وسوء ما جعلها تُبغض.
وحُسْنُ ظنّك بالرّجل يصدِّقه أن تراه يُبغض أو يُحبّ فلا يتجاوز به بغضه أو حبّه حدّ ما عليه الشّرع، ولا يُوقِعانه في شيءٍ من سخط الله.
ولا تكون نفسٌ على هذه الدرجة من الدِّقّة والانضباط إلّا ما كانت على حظٍّ عظيم من الإيمان والتقوى والنباهة وشدّة الاحتراس لأنَّ المورد من موارد الامتحان الشديد، والمزلقَ من المزالق الخطيرة.
وما من صفةٍ تظهر في النفس وتتمكّن منها ليس لها من طبيعتها الأصلِ سَبَب، وكلُّ علّتها من الخارج، وإنما لكلّ صفة من صفات الخير والشرّ فينا أرضية من الاستعداد والقابلية وأسبابٌ من أسباب خارج النفس.