محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٤ - الخطبة الأولى
السير في الظلمة عثراتٌ وكبواتٌ، ومنزلقاتٌ ومهالك، وكم انتهى السير في الظلمة بصاحبه إلى تِيْهٍ وضلال!! يأخذ به إلى غير المقصد، وينتهي به إلى غير الغاية، ويفاجئه بالكوارث.
أما السائر في النّور فعلى بصيرة من معالم الطريق، وكلِّ منعطفاته وملتوياته، وكلِّ ما نُصِب فيه من علامة وإشارة. لا يضيع شيءٌ من خطاه، ولا يخسر شيئًا من سعيه، ولا يُخطئ القصد إلى غايته، وكلّما أَفْسَحَتْ له الرؤية في امتداد البصر تجنَّبَ مباغتة الأخطار.
وقد قالوا بأنَّ العلم نور، والجهلَ ظلمة، وليس الأمر إلَّا كذلك، وهو ما تشهده كلّ نفس في واقع حياتها.
إنّ مساحات الحياة الدّنيا كلّها، والسيرَ في طُرُقِها يحتاج إلى نور العلم، وإنَّ خير الآخرة لا سبيل له بغير هذا النور.
وخطر الآخرة أكبر من خطر الدّنيا، والغموض الذي يكتنف طُرُقُها أشدّ مما يغشي طرق الدّنيا من غموض.
في هذه الحياة لا قيام لأمرِ صحّةٍ ولا طبٍّ، ولا غذاء ودواء، ولا زراعة وصناعة، ولا سياسة وإدارة واجتماع، ولا إعمارٍ وهندسة، ولا ما فيه تصحيحٌ وتقدّمٌ بمستوى الأوضاع، ولا حركةِ رقيٍّ إلّا بالعلم.
تصوّروا لو أنّ مساحةَ الطبِّ حكمَها الجهل ماذا سيتسبَّب ذلك في خسارة للأعمار. ولو أنّ حركة الطيران انفصلت عن العلم ماذا ستُسبِّب من كوارث. إن يومًا يخسر النّاس فيه علمهم بضرورات الحياة، ومتطلباتها وطُرُق الحفاظ عليها هو يوم خسارتهم للحياة أصلًا، وبصورة كاملة.
والأمَّة التي تتعطّل حركة العلم فيها لابد أن تكون أمَّة مشلولة كسيحة فقيرة مغلوبة مقهورة.