محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩١ - الخطبة الثانية
تنطلق الفتنة المرعبة من أكثر من بؤرة، ومن أكثر من مكان ويختلط فيها السياسي بالديني، بالطائفي، وتُحرّكها السياسة الدنيوية القذرة الآثمة التي لا مُقدّس عندها إلا المصلحة المادية والتمدُّد المادي، والتعملق المادي، والسيطرة الطاغوتية، ولا لذة تغريها كلذة إذلال الآخرين.
وكُلما تتبرقع به من شعارات دينية ومذهبية لا قيمة لها عندها، وإنما هي وسائل ومطايا تركبها من أجل أهدافها الدنيوية المادية والسلطوية القذرة. يُعينها على ذلك فهم خاطئ للإسلام يصوّره أنه دين هتك وفتك وإسراف في القتل، واستخفاف بقيمة الدم والإنسان، ويفصله تمام الفصل عن خلق التفاهم والحوار والنُّصح والرحمة.
إنَّ السياسة الدنيوية الملعونة التي تنحرف بطبيعة الصراع من كونه صراعاً بين حكومات ظالمة وشعوب مظلومة، بين مستكبرين ومستضعفين، بين من يُصادرون حرية الآخرين ومن يصرون على حريتهم إلى كونه صراعاً بين قومية وأخرى، وطائفة وأخرى، ومذهب وآخر. هذه السياسة مستعدّة من أجل بقائها أن تُضحّي بكل وجود الأمة ومقدراتها ومقدّراتها ومقدّساتها، وبكل ما هو قومي ومذهبي وإشباعاً لنزعة التسلُّط والاستبداد، والتفرُّد بالملك.
سياسة تستبيح كل وسيلة قذرة في سبيل بقاء مكاسبها الدنيوية، وأن يقتل من يقتل من أبناء الأمة أيّاً كان، وتسيل الدماء أنهاراً، وتتخلّف الأمة أحقاباً، ويتراجع مستواها إلى مسافات، وأن تفقد مقومات نهضتها من جديد.
وهذا المفصل الحاسم من تاريخ الأمة محتاج أشد الحاجة إلى الوقوف بكل حزم، من كل العقلاء المخلصين من مختلف القوميات والمذاهب والطوائف والتوجُّهات التي تُشكِّل وجودها في وجه هذا المخطّط الآثم الذي رسمته اليد المعادية للأمة والإسلام من الخارج، ويجري