محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٣ - الخطبة الأولى
و الإمام عليه السلام يدخل نفسه في هذا النفر المحتطب على نفسه تواضعاً لربه، وأخذا بالشدة المغلظة على نفسه، و استعظاما للمخالفة النادرة لو حدثت للأمر غير المولوي من أوامر خالقه مع نزاهته عن الخروج عمَّا أوجب أو حرم مالكه و سيده سبحانه، والدخول فيما يغضبه.
و في هذا الكلام فزع إلى المولى الحق العلي القدير ناتج عن احساس عميق بالخسارة، و سقوط ذريع، وفقد لقيمة الذات، وضياع شديد، وغربة و وحشة قاتلة، و فيه تعلق برحمة الله، وتمسك بكرمه لإنقاذ السائل من أكبر ورطة تواجه النفس، و كربة تقع فيها، و كارثة قاضية على قيمتها و مستقبلها وأملها.
إنها خسارة البعد عن الله، والوقوع في دائرة مقته و طرده.
إن لم أتب:
العاصي لله مضيع للطريق والغاية، مستخف بنفسه، مسترخص لذاته، مسيء لقيمته، لا يرى لوجوده قدرا، ولا يقيم لحياته وزناً.
والمعصية لا تصنع إلا الضعف والانهيار، ولا تنتج إلا الانحدار وسحق الإرادة.
وطريق الطاعة لله سبحانه وتعالى يصعنك قويا، ومريدا، وقويما، وهاديا، ومهديا وبناءً وصالحا ومصلحا. يكسبك سعادة هنا، وسعادة بعد أن تلفظك هذه الحياة.
لن تجد قويا يعتمد على قوته كالله، لن تجد غنيا تستمد منه الغنى كالله، لن تجد هاديا تهتدي بهداه كالله، لن تجد حاميا، ملجأ، حافظا، كافيا كالله، لن تجد مجزيا، مثيبا، متكرما، متفضلا كالله.
لا منقذ لك من الله، لا حامي لك منه، لا مغيث لك من أخذه، لا عاصم لك من دونه، فارجع إليه واقطع غرورك، وانتبه من غفلتك، وصحح تفكيرك، واستعد إرادتك، وافتح عينيك، وارجع إلى واعيتك، تدارك أمرك، انهض من كبوتك، انتشل نفسك من غرقك.