محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٢ - الخطبة الأولى
كل آيات الآفاق و الأنفس، وعبرِ الحياة وعظاتها، تفقد لغتها وخطابها وقيمتها بالنسبة لجهاز استقبالٍ أفسده صاحبه، وغلّفه بألف غلاف سميك يمنعه من الاستفادة من النور، وهل يفعل من يصر على الذنوب بقلبه غير ذلك؟!
من مناجاة المطيعين المنسوبة للإمام زين العابدين عليه السلام" ... واقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب، واكشف عن قلوبنا أغشية المرية والحجاب، وأزهق الباطل عن ضمائرنا، و أثبت الحق في سرائرنا".
في هذا الكلام: لنا بصائر نرى بها الحق و الباطل، و نعرف بها الهدى من الضلال، و نهتدي بها لله عز وجل و ما يرضيه، و نستدل بها إلى طريق الغاية الكريمة والكمال المنشود، و هي منفذنا إلى عالم الحقائق الكبرى. لنا عقول و أفئدة تعرف الله، و تجلّه و تعظّمه، وتحبّه، وترجوه، و تخشاه، و لا ترى مثله شيئاً، وتقدّمه على كل شيء، و تطمئن إليه، و لا تطمئن إلى شيء عداه، وتستريح لذكره، و يكسبها إنساً لا تجده في ذكر أحد غيره، وكل ذلك من إنعامه و إكرامه.
لكن هذه البصائر يعلوها سحاب الإرتياب، وظلمة، الشك، وأغشية و أغلفة من المرية والحجاب، فمن أين يعتورها كل ذلك، ويحيط بها، و يسد عليها الآفاق، و يفقدها رؤيتها النافِدة؟ اقتراف الذنب و معاودته وتواليه وتراكمه، وتسويف التوبة، و تأجيل الأوبة.
و مثل ذلك التوبة المازحة، والأوبة غير الجادة، والإستغفار الكاذب.
و في هذا الكلام عنه عليه السلام أنه بانقطاع القلوب، و انحجاب الضمائر بتراكم الذنوب و تكاتفها عن الآيات و الدلالات، واضاءات الهدى تلبَّست بالباطل و اندغمت به، واستذوقته و حلا عندها طعمه، وانفصلت عن الحق، ووهنت علاقتها به، وصارت في تزلزل وقلق و اضطراب.