محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٤ - الخطبة الأولى
عبادته، وتزيُّنها بتقواه، وصوغها الصوغ الإراديّ في ضوء أسمائه، والاقتباسِ من نور صفاته: صفات الجلال والجمال مما يمكن لها وبالقدر المحدود من جلالٍ وجمالٍ لا حدَّ له.
وهذا الطُّهْر والجمال الذي تزين به الذات الإنسانية عن طريق معرفة الله وتقواه وعبادته لا مفارقة له للذّات، ولا سعادة للإنسان كسعادته بالإحساس به، وهو طريقه للتمتّع بحياة أبديّة رغيدة، الشَّقاءُ بعيدٌ عنها كلَّ البُعد على امتدادها وفي كلِّ ما لها من أبعاد.
هذه الغاية المرتفعة على كلّ غاية يمكن أن يتعلَّق بها الإنسان، ويُنفقَ من أجلها حياته ترتفع بمستوى همّه وإرادته، وأخلاقه وسيرته، وكلِّ مشاريعه وإنجازاته، وتُنقذه من الكَسَل والملل، والنظرة المتشائمة للحياة، ونفاد الصّبر، واضطراب النفس، و الجشع في الدنيا، والذميم من المشاعر وصفات الرّوح والنفس، والسلوك.
والغاية التي يتحدّث عنها الكتاب الكريم لخلق الإنسان نقرأها في الآيات الكريمة الآتية: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ ..... ٧.
لم يخلق الله النّاس لسدّ حاجة أو رفع وحشة وإنما خلقهم تفضّلًا منه سبحانه وَلِيُتِمّ عليهم رحمته.
وما هي أكبر رحمة بهم؟ أن تكمل ذواتهم لتسعَد.
وما هو طريقهم إلى كمال ذواتهم؟ أن يعرفوه ويعبدوه، ويطلبوا التقرُّب إليه باستكمال ذواتهم عن طريق عبادته ٨، واستضاءتها بأنوار صفاته وأسمائه، والتزيُّن بما تقدِر- وهو محدود- من العظيم غير المحدود من جماله وكماله.
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٩.