محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩١ - الخطبة الثانية
وبقاء هذه الأمّة بصفتها الدينية الإسلاميّة غير منفصل بحال من الأحوال عن استمساكها بدينها وانشداد كلّ واقعها إليه.
والإسلام في ظهوره العمليّ، وفي امتداد وجوده في الأرض وغلبته، محتاج إلى وحدة الأمّة التي آمنت به، وحملت أمانته، وفي ضعفها ضعفه، وفي تفتتها تفتته، وفي ذهابها ذهابه.
وكلما زاد الانقسام على الإسلام، وتعدّدت رؤى الأمّة حول مرتكز من مرتكزاته كلَّما كان ذلك سببًا رئيسًا لانقساماتها وتشظّيها، وليس أدعى إلى ذلك من أن يتصدّى إلى بيان الرَّأي في مسائل كبرى من مسائل الإسلام من لا أهليّةَ له علمًا أو ورعًا فيُسمع لرأيه ويُؤخذ به، فعلى الأمّة أن لا تسمح لهذه الآراء القاصرة أو الفاجرة أن تجد لها موقعًا في حياتها.
أمَّا لو توقّفت وحدة الأمَّة على أن تتوحد آراء مجتهديها كلّهم في كلِّ المسائل حين لا يمكن أن تتوحّد الآراء الاجتهادية في إطار المذهب الواحد لكان عليها أن تكون مئة أمّة وألف أمّة، وأن تتمزّق كلّ مُمزّق ١٦.
وليس أسعد لأعداء الأمّة جميعًا من أن ينحطّ مستوى مجتهديها علمًا وتقوى، وتتفرّق بهم الآراء في ما لا يصحّ الاختلاف عليه من أمر الإسلام، ويتكثّر علماء السَّلاطين، ممن يبيعون دينهم بالأدنى، والطّامحون من القاصرين علمًا ودينًا في الزّعامات الدنيوية فلا يهمّهم أن تتوزّع الأمة أشتاتًا، وتفقد وحدتها، وأن يسعوا إلى ذلك عن قصد وسَبْقٍ وإصرار ما دام طريقهم إلى الدّنيا هو الاختلاف ١٧، ودعم السياسات الظالمة، وما دام تقاضي الأجور والمكافآت الماديّة الضخمة، والحصول على الألقاب المغرية، والشهرة الزائفة يتطلب ثمنًا من الدين، ومن وحدة الأمَّة، ولا يحصل إلا بتفتيت كيانها.
وعلى الأمة حفاظًا على ما تبقّى من وحدتها، وطلبًا لصون هذه الوحدة ومتانتها واشتداداها وتأبّيها على التفتّت والذوبان، وقدرتها على أن تنهض بمستوى الأمّة وتبلغ