محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٠ - الخطبة الثانية
لماذا؟ هل هو حسن الحظِّ الذي يُحالف هؤلاء الجناة في القضاء في كلّ مرّة؟ وفي مُقابل ذلك لا يُفارق سوء الحظ الأعداد الهائلة من أبناء الشّعب في مقاضاتهم ولو كانوا من أبناء سنِّ العاشرة؟ ٣٣
وحيث يُقتل رجل أمن- ونحن لا نسترخص دم أحد- تحدث العواصف والزلازل والبراكين على يد قوَّات الأمن، وتُحاصرُ المناطق، ويُنشر الرُّعب والهلع، وتتسع الاتهامات، وتُدقّ طبول الحرب، ويُزجّ بأعداد المواطنين في السّجون، ويستمرُّ التحقيق بأساليبه القمعية الخاصّة التي تحدّثت عنها التقارير من لجنة تقصّي الحقائق والمنظمات الحقوقية حتى تتوفّر كلّ الاعترافات المطلوبة.
والحِصار الأمنيُّ والطوق المشدّد على قرية العكر لحادث قتل الشّرطي والذي استمرّ كلَّ المدّة التي استمرها صورة جليّة من صور الفرق الهائل في التعامل الرّسمي بين دم أبناء الشّعب الرخيص ودم منتسبٍ من منتسبي السلطة، وأنَّ دمًا لا يؤبه به، وآخر تقوم له الدّنيا ولا تكاد تقعد، دمًا لا يطال العقابُ حتى شخص من اعتدى عليه مع معرفته، ودمًا تُنزل العقوبة بآلاف المواطنين بحثًا عن المتّهم به بل خارج دائرة هذا البحث. إذ ماذا بعد القبض على العدد الذي قبضت عليه السلطة وهي تُخضعه لما تُسمّيه بالتحقيق، ومضيّ كلّ هذه الأيام على الحادث حتى يستمرّ حصار القرية ما استمرّ عليه من مُدة لولا أنَّ العقوبة يُراد لها أن تكون جماعيّة وخارج الشّرع، وحتى القانون، وأن يُقدَّم من خلالها درسٌ عامٌّ قد تكثّرت الصُّور، والنماذج المتنوِّعة من مثله على المدى الطّويل من عمر الأحداث، وما زاد الطّين إلا بلّة، وما أعقب الوضع إلا تعقيدًا، وما خلّف إلا توتيرًا في الأجواء، وتصاعدًا في الأحداث، وتوسِعةً للهوّة.