محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠ - الخطبة الأولى
ولأن الحياة الدّنيا لا تعدل شيئاً من الآخرة عند من اهتدى، ورأى الأمور بعين البصيرة تراه لا يتردّد في تقديم الآخرة على الدّنيا، ولا يكترث للبقاء فيها أمام موعود ربّه الكريم قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ٦.
والإسلام يحترم الحياة، ويحافظ عليها، ولا يهدر حياة أحد إلا بتعدِّيه على حقّ الحياة، وإفساده للحياة ... مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ٧.
الإسلام دين الحياة لا حفاظ عليها أشدَّ حفاظٍ إلّا في ظلّه، ولا نماء لها كالنماء في ضوء منهجه، ولا ترقى ولا تتسامى تساميَها تحت رعايته، ولا تبلغ غاية سعادتها إلّا بالاستجابة إليه.
كلّ ما في الإسلام دعوة للقوَّة، للنهضة، للنماء الصالح، للحياة. الإسلام لا يترك عقلًا في الإنسان، ولا قلباً، ولا بُعد روح، ولا نفس، ولا جسد إلا ويعمل على إحيائه خير حياة، وأكمل حياة، وأنقى، وأطهر وأرقى حياة، ولا يسابق منهجَ الله تبارك وتعالى في شيء من ذلك منهجٌ آخر، ولا يقاربُه.
والحياة التي يرعاها منهج الله، ويبلغ بها أقصى درجات النُّضج والكمال تشمل حياة الدنيا والآخرة. ولا يترك قوّة من قوى النفس القابلة للنهوض والتقدُّم، ولا استعداداً من استعداداتها إلا وأخذ به إلى أقصى مداه، وخرج به من القوّة إلى الفعل، ومن القابليّة إلى التحقّق.