محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٥ - الخطبة الأولى
المحذور من خطر عظيم لا تحتمله النفوس، ومَكْثٍ دائم لا انقطاع له، وما عليه ذلك المرغوب من شأن لا شأن مثلُه فيما يُحقِّقه من سعادة أبديّة لا تقترب منها سعادة.
أمّا القلوب المؤمنة بربّها، المنفتحة على معرفته، المهتدية بهُدى دينه، المصدّقة برسله بدلالة العقل والفطرة والآيات فلها من الشوق إلى وعده، والخوف من وعيده ما يجعلها تجدُّ في طلب رضاه، والفِرار من غضبه، وصرف العمر في طاعته، وعبادته، والاستعداد بإخلاص النيّة، والعمل الصالح ليوم لقائه، والتهيؤ للمقامات الكريمة في الجنّة التي أعدّها لسعادة أوليائه.
ولا يُعادي الإسلامُ بين دنيا الخير والصّلاح والعدل والإحسان والمحبّة والمودّة والتعاون فيما يُسعد النّاس ويرقى بهم وبين الآخرة، ولا بين هدى الآخرة والحياة الرغيدة الآمنة الهنيئة الرشيدة.
يُنشِّط الإسلامُ حركة البناء والإعمار الصالح في الدنيا، ويدفع بمستوى القوة إلى الأمام في خدمة المصالح الإنسانية الحقيقية والهدف الأسمى للحياة الدُّنيا في ضوء حِسِّ الآخرة، ووعيها ويَعُدّ ذلك طريقاً من طُرق الفوز الأُخروي الذي تأخذ منه الحياة الدنيا كلَّ قيمتها.
فمن الدور العبادي الذي يمارسه الإنسان المسلم في سبيل مرضاة الله سبحانه أن يبني الدنيا بهدف الآخرة وعلى طريق ذلك الهدف، ورَفعاً للعوائق وصعوبات الحياة التي قد تبتعد بقلبِ العبد عن تعلّقه اللائق بالله.
مطلوب من الإنسان المسلم أن يعمُر الدنيا لجيله وللأجيال التي بعده إعماراً لا ينفصل بها عن هدف الآخرة وقيمه وأخلاقيّاته، وأن يُهيأ أجواءها لطاعة الله سبحانه. ولو كان كذلك كان عمله بنظر الآخرة وحِسّها وتقديرها ولها ومن أجلها، وكان عمله بنظره الطويل للدّنيا عَمَلَ من كان ينظر وكأنّه يموت غداً، وكلُّ تركيزه على اليوم الآخر.
" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" ٢.