سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٢٥ - الإمام مع حكام عصره
تعلم بذلك لا هي و لا زوجها و لا أحد من الناس، و ظنت و هو يوصيها و يؤكد عليها بالكتمان و عدم فتحها إلا بعد وفاته، ظنت ان فيها من الأموال و المجوهرات و التحف ما لا يمكن تقديره بثمن معين.
و لم أجد تفسيرا للاحتفاظ بتلك الجثث الزواكي و تسليمها الى خليفته في الساعات الاوائل من استيلائه على السلطة، الا انه اراد ان يشجعه على اختيار اسلوب العنف و القسوة على العلويين و كل من يشكل بنظرهم خطرا على عروشهم و وجودهم.
و لعل من ابرز الاسباب التي قضت على المنصور باتخاذ هذا الموقف منه ان الإمام ابا ابراهيم (ع) كان يقدر تلك الظروف القاسية التي كانت تحيط به فاعتصم في بيته و انكمش حتى عن شيعته و أصحابه و لم يظهر الا للخواص منهم في ضمن حدود معينة، و كانوا كما ذكرنا من قبل اذا اطمأنوا الى شخص و أدخلوه عليه يوصيه بالكتمان الشديد و يحذره من عواقب الاعلان عنه، مما يوحي بأن المنصور في تلك الفترة كان يتحراه بكل وسائله و من الجائز ان لا يهتدي إليه و ان لا يعرف بمكانه في تلك السهولة، و حتى لو عرفه و أيقن بأنه الخليفة الشرعي لأبيه، فما دام معتزلا الناس و منقطعا عنهم فلا يضره ذلك و لا يراه خطرا على عرشه، لا سيما و ان الكثير ممن كانوا حول أبيه قد رجع بعضهم إلى اخيه الافطح عبد اللّه، و بعضهم الى اخيه اسماعيل و حصل ارتباك بين الشيعة في تلك الفترة مزق وحدتهم و فرق جماعتهم و فتح المنصور لتلك الفرق و الجماعات التائهة صدره و قلبه، و ثمة ظاهرة اخرى بدت في سياسة المنصور يوم ذاك، فقد اتجه الى العلماء المعاصرين للامامين الصادق و الكاظم (ع) فمدهم بالمال و رفع من شأنهم و تظاهر بتكريمهم و حاول ان يفرضهم على الناس ليصرف الانظار عن العلويين و فقههم و آثارهم، و قال يوما لبعض جلسائه: لقد بلغت من لذة الدنيا الحد الاقصى و لم يبق في نفسي الا ان اجلس انا و العلماء في مجلس واحد.