سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٦٣ - الإمام الصادق مع المنصور و أعوانه
و حدث الربيع مرة ثانية ان المنصور ارسل إلى الإمام الصادق (ع) من يأتيه به لشيء بلغه عنه، فلما دنا الصادق من باب المنصور خرج إليه الحاجب و قال: اعيذك باللّه من سطوة هذا الجبار يا ابا عبد اللّه فاني رأيت ضرره عليك شديدا، فقال الإمام: علي من اللّه واقية تعينني عليه ان شاء اللّه، استأذن لي عليه، فلما اذن له و دخل الإمام، قال له المنصور: يا جعفر قد علمت ان رسول اللّه (ص) قال لأبيك علي بن أبي طالب لو لا ان تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمر بملإ من الناس الا و أخذوا التراب من تحت قدميك، و قال علي: يهلك في اثنان و لا ذنب لي محب غال و مبغض مفرط، و انما قال ذلك اعتذارا لأنه لا يرضى بما يقوله فيه المحب و العدو، و أنت تعلم ما يقال فيك، و قد زعم اوغاد الحجاز و رعاع الناس انه حبر الدهر و حجة المعبود و ترجمانه و عيبة علمه، فقل فإن أول من قال الحق جدك و أول من صدقه عليه أبوك، و أنت حري ان تقتفي آثارهما و تسلك سبيلهما.
فقال الإمام الصادق (ع): انا فرع من تلك الزيتونة، فقال المنصور: لقد احالني على بحر لا يدرك طرفه و لا يبلغ عمقه، هذا هو الشجى المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه و لا يحل قتله، و لو لا ما يجمعني و اياه من شجرة طاب اصلها و بسق فرعها و عذب ثمرها لكان مني إليه ما لا تحمد عقباه لما يبلغني عنه من شدة عيبه لنا و سوء القول فينا، فأنكر عليه الإمام ذلك بأسلوب يوحي بالاعتذار.
ثم التفت إليه المنصور و قال: لقد صفحت عنك يا ابا عبد اللّه لصدقك فحدثني بحديث انتفع به و يكون لي زاجرا من الموبقات.
فقال الإمام (ع): عليك بالحلم فإنه ركن العلم، و املك نفسك عند أسباب القدرة فانك ان تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظا و تداوى حقدا و يحب أن يذكر بالصولة، و اعلم بأنك ان عاقبت مستحقا لم يكن غاية