سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٥٥ - لمحات عن أخلاق الإمام زين العابدين
و قد روى هذا الموقف للفرزدق مع هشام بن عبد الملك أكثر المؤرخين و المحدثين بتفاوت يسير في الشكل الذي وقع عليه الحادث و في عدد الأبيات التي أنشدها أبو فراس في ذلك الموقف متحديا بها سلطان اولئك الحكام الجبابرة المعتزين بملكهم و جندهم فلم يغن عنهم الجند و الملك شيئا في ذلك الموقف الذي تتدافع فيه الجماهير و تتسابق لاستلام الحجر، حتى اذا اقبل الإمام (ع) المعتز باللّه وحده انفرجت له الحشود المتدفقة كالسيل و انكشفت له عن ركن البيت و وقف الناس كلهم و كأن الأرض تشدهم الى اعماقها حتى اذا قضى الامام حاجته و ترك المكان عاد الناس يتسابقون و يتدافعون كحالتهم الأولى، هذا و أهل الشام ينظرون إلى هذا المشهد الغريب و ينتظرون من يعرفهم بالشاب الذي هابه الناس و عظموه بعد أن تجاهله خليفتهم و قال لا أعرفه. لقد كان يتمنى ان لا يعرفه أهل الشام لأنه كان هو و أسلافه من بني أمية يزعمون لأهل الشام بأنهم آل الرسول الذي أمر اللّه بمودتهم، و لم يكن يحسب ان ابا فراس سيصفعه بتلك الصفعة التي كانت عليه اشد من الصاعقة و هو يقول:
و ليس قولك من هذا بضائره* * * العرب تعرف من انكرت و العجم
هذا علي رسول اللّه والده* * * امست بنور هداه تهتدي الامم
هذا ابن فاطمة ان كنت تجهله* * * بجده انبياء اللّه قد ختموا
و يدعي الرواة ان هشام بن عبد الملك قد غضب على الفرزدق، و أمر بحبسه بعسفان و هو مكان بين مكة و المدينة و أوصى بالتضييق عليه و أضاف الرواة إلى ذلك أن الإمام علي بن الحسين (ع) أرسل له ألف دينار فردها الفرزدق و قال للرسول: إني لم أقل ما قلت إلا غضبا للّه و لرسوله و لا آخذ على طاعة اللّه اجرا، فأعادها الإمام (ع) و أرسل إليه: نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما أعطينا فقبلها الفرزدق و بقي في حبس هشام مدة من الزمن