سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣١ - الإمام السّادس جعفر بن محمّد الصّادق
بالبذل و العطاء، بلغت في عصره بفضل جهوده ذروة نشاطها في شتى المواضيع، و مجمل القول ان الإمام الصادق (ع) عاش نحوا من خمسين عاما في عهد الأمويين، و نحوا من خمسة عشر عاما في عهد العباسيين، فأدرك الدولة الأموية في قوتها و عنفوانها، ثم في تحدرها و انهيارها كما ادرك من الدولة العباسية فجرها الأول و هي تبني امجادها على أنقاض الأمويين، و تستمد من سيئاتهم بعض الحسنات، و ما أن استتبت لها الأمور حتى راح الناس يرددون قول القائل:
يا ليت جور بني مروان دام لنا* * * و ليت عدل بني العباس في النار
و قد أخذ على عاتقه بعد وفاة أبيه أن يتابع المسيرة من حيث انتهى والده فحارب الفساد و الظلم و الطغيان و فرض على دعاة الخير و المصلحين من أصحابه أن يكونوا القدوة الصالحة بأعمالهم قبل اقوالهم، لأن الناس انما ينظرون الى القادة من خلال اعمالهم، أما الأقوال التي تصدر من الوعاظ و الدعاة الى الخير فليست بأشد تأثيرا منها و هي مسطورة في الكتب او منقوشة على الجدران و حتى تحقق دعوته الغاية المنشودة كان يقول لأصحابه: اوصيكم بتقوى اللّه و اداء الامانة لمن ائتمنكم و حسن الصحبة لمن صحبتموه و ان تكونوا لنا دعاة صامتين.
و قد وقع هذا القول عندهم موقع الاستغراب، و كيف يكونون صامتين و هم يدعون الى الخير، فقالوا: يا ابن رسول اللّه كيف ندعو الى اللّه و نحن صامتون، فقال (ع): تعملون بما امرناكم به من طاعة اللّه و تعاملون الناس بالصدق و العدل و تؤدون الأمانة و تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و لا يطلع الناس منكم الا على خير، فاذا رأوا ما انتم عليه علموا فضل ما عندنا فعادوا إليه.
و لم يزل يكرر هذه الوصية و يؤكدها على أصحابه، فلقد جاء عنه أنه قال: عليكم بتقوى اللّه و الورع و الاجتهاد و صدق الحديث و اداء الامانة