سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٤ - خروج الحسين من مكة الى العراق
و نحن نبايعك و نقف الى جانبك حتى الموت.
و لم تكن لتخفى على الحسين (ع) دخيلته و ما ينطوي عليه من غدر و دجل و نفاق، كما لم تخف عليه المصلحة فيما عزم عليه ليستمدها من ابن الزبير و أمثاله، بل كان على ثقة من امره في كل ما عزم عليه و تحرك من اجله محيطا بكل جوانب الموقف و نتائجه.
لقد رأى ان اقراره لبيعة يزيد يشكل خطرا على الاسلام لا يمكن تلافيه و رأى الانظار تتجه إليه من كل جانب و تنتظر موقفه الاخير منها، و كان يعرف عن أهل العراق اكثر مما يعرفه غيره من الناس، لقد حمل هو و أبوه و أخوه مرارة غدرهم و تخاذلهم، و لم يكن يحتمل ان ينتصر بهم عسكريا على يزيد و أنصار يزيد، و لكنه كان يرى ان عليه ان يسجل موقفا كريما من ولاية الظالمين كيزيد و غيره و لو بقتله و قتل اطفاله، و سبي نسائه حتى لا يتسرب الى الاذهان إن الإسلام الذي يجسده الحسين (ع) يسمح بمثل هذه الولاية.
لقد عزم على الخروج الى العراق مهما كانت النتائج و كان مسلم بن عقيل (رضوان اللّه عليه) قد كتب إليه يستعجله القدوم و يخبره بما رأى و سمع من اقبال الناس عليه و إلحاحهم في طلبه. و قد علم يزيد و أعوانه بكل ما يجري في الكوفة فاستغلوا موسم الحج و دسوا عددا كبيرا من اجهزتهم لقتله و لو كان متعلقا بأستار الكعبة و لما احس بذلك أحل من احرامه و خرج من مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة قبل ان يتم حجه مخافة ان يقتل في الحرم فيضيع دمه و لا يعطي ما اعطاه قتله بالنحو الذي تم عليه من النتائج التي أقضت مضاجع الطغاة و الظالمين.
و لو تمكنت اجهزة يزيد من اغتياله في الحرم كما امرهم بذلك، و كما خطط ابوه من قبله لاغتيال علي (ع) و هو يصلي في بيت اللّه لقالوا و أشاعوا انه اغتيل بسيف خارجي، و تبرءوا من دمه كما تبرءوا من دم ابيه و راجت مقالتهم حتى اصبحت و كأنها من حقائق التاريخ.