سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٨٨ - لمحات من سيرة الإمام محمد بن علي الباقر
و مظاهرها معلنين بالفسق و الفجور في قصورهم و نواديهم و أينما حلوا و ارتحلوا، و قد غمر هذا التيار الذي طغى على قصور الخلفاء و الحكام و الولاة اكثر المسلمين فمارسوا ملذات العيش و مغريات الدنيا و جميع المنكرات و قديما قيل:
الناس على دين ملوكهم.
لقد اختار حكام الأمويين لبناء دولتهم أساليب العنف و الظلم و الاضطهاد و قتل الابرياء و الصلحاء و تبذير الأموال في سبيل عروشهم و شهواتهم، و لحق العلويين و شيعتهم النصيب الأكبر من تلك السياسة الخرقاء لا لشيء إلا لأنهم يتمتعون بكل ما يشدهم إلى الناس و يؤهلهم لخلافة الرسول و قد استعرض الإمام الباقر (ع) في حديث له مع بعض أصحابه الأوضاع في ذلك العصر كما جاء في شرح النهج و صور لهم اولئك الحكام و قسوتهم على الشيعة و اسرافهم في اراقة الدماء و شراءهم الذمم بالأموال و أطايب الطعام للدس و الكذب في حديث الرسول، و استعرض في حديثه الدور الذي قام به الحجاج بن يوسف مع الشيعة حتى شردهم في البلاد و أذاقهم جميع أنواع البلاء و صنوف العذاب و بلغ بهم الحال ان الرجل كان يتمنى ان يقال له زنديق و لا يقال له مؤمن شيعي.
في هذا الجو المشحون بالظلم و الفساد وجد الإمام الباقر و رحل والده عن الدنيا و له من العمر اربعون عاما و بقي بعده ثمانية عشر عاما كما ذكرنا كان يتلوى خلالها على شيعة آبائه و على الضعفاء و المساكين و على مصير الإسلام إن استمر اولئك الحكام في سيرتهم و طغيانهم و قد علمته الأحداث الماضية مع آبائه و خذلان الناس لهم في ساعات المحنة ان ينصرف عن السياسة و شئون السياسيين، فاتجه الى خدمة الإسلام عن طريق الدفاع عن اصوله و مبادئه و نشر تعاليمه و أحكامه، و مناظرة الفرق التي انحرفت في تفكيرها و اتجاهاتها، بعد ان انتشر الإسلام يمينا و شمالا و خضعت لسلطانه أمم و شعوب ذات ماض يزخر بالحضارة و العمران، و قد حدث انقلاب في التفكير و جميع اسباب الحياة، و برزت بين ذلك الوان من النزعات و الاتجاهات تجر من ورائها الالحاد