سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٦٤ - الإمام الصادق مع المنصور و أعوانه
ما توصف به إلا العدل، و الحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر، فقال المنصور: لقد وعظت فأحسنت و قلت فأوجزت.
و جاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي ان المنصور وفد على المدينة سنة ١٤٤ في طريقه لأداء فريضة الحج فقال للفضل بن الربيع: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني به متعبا قتلني اللّه ان لم اقتله، قال الفضل:
فتغافلت عن ذلك طمعا في أن ينسى المنصور و تهدأ نفسه فأعاد علي طلبه ثانيا و ثالثا، فلم أر بدا من أن أستدعيه، فأرسلت إليه، فلما حضر قلت له: يا ابا عبد اللّه لقد أرسل إليك لأمر عظيم و ما أظنك بناج منه، فقال الإمام (ع): لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، ثم دخل على المنصور و سلم عليه فلم يرد السلام و قال له: لقد اتخذك أهل العراق إماما يجبون لك الاموال من الزكاة و غيرها و تلحد في سلطاني و تبغيه الغوائل قتلني اللّه إن لم أقتلك، فقال الإمام (ع): يا أمير المؤمنين ان سليمان النبي أعطي فشكر و ان أيوب ابتلي فصبر و إن يوسف بن يعقوب ظلم فغفر فاقتد بأيهم شئت.
لم يجد الإمام (ع) بدا من مقابلته و هو بتلك الحالة من الحقد و الغضب عليه إلا بهذا الأسلوب الهادئ اللين الذي هو من أبلغ ما يمكن أن يكون في مثل هذه الحالات.
لقد اراد الإمام (ع) ان يضع حدا لغضبه فقال له ما مضمونه: ان اللّه اذا انعم على عباده استحق شكرهم كما شكره سليمان على نعمه و أنت محاط بنعم اللّه من جميع جوانبك، و التنكيل بالابرياء على الظنة و التهمة كفر و جحود لنعم اللّه، و اذا كنت تراني بلاء عليك فلو صبرت على هذا البلاء كما صبر أيوب على أسوأ انواع البلاء تنال اجر الصابرين، و إذا كنت تراني ظالما لك فلو اقتديت بيوسف و عفوت كما عفا عمن ظلمه كان ذلك اقرب للتقوى و اللّه يحب المحسنين.
و كان لجواب الإمام أثر في نفس المنصور و أطرق برأسه قليلا ثم رفعه