سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣٦ - الإمام السّادس جعفر بن محمّد الصّادق
و مجمل القول ان الإمام الصادق (ع) قد انصرف عن الخلافة و السياسة و لم يشترك بما رافق انهيار حكم الأمويين من تلك الأحداث التي لم تسلم منها بقعة من بقاع الدولة الإسلامية في شرق الأرض و غربها، في حين ان الفئات المتصارعة التي برزت على المسرح سياسيا و عسكريا يوم ذاك كانت تتمنى كل فئة منها ان ينحاز لجانبها لتتستر به في سبيل اهدافها و مصالحها، و لكنه آثر اعتزال تلك الاجواء المشحونة بالاحداث مغتنما فرصة انصراف الحاكمين و الطامعين الى معالجة مشاكلهم التي الهت البيتين الأموي و العباسي عنه و عن عامة العلويين الذين كانوا يتعرضون بين الحين و الآخر للتنكيل و المطاردة و شتى صنوف التعذيب، آثر اعتزال كل ذلك الى ما يعنيه من أمر الإسلام و شريعة الإسلام، و استطاع ان يحقق خلال سنوات معدودات من المكاسب لخير الإسلام و شريعة الإسلام ما لم يتهيأ لغيره ان يحققه فيما مضى و ما سيأتي من بعده.
و سواء صح ما رواه الرواة من أنه كان يعلم بما ستتمخض عنه تلك الانتفاضات او لم يصح فإن اعتزاله يدل على بعد نظره و رؤيته الصادقة لما وراء تلك الاحداث من النتائج التي كان صلحاء المسلمين و حتى عامتهم يرجون خلافها.
لقد اتجه بكل امكانياته الى الدعوة للدين و نشر تعاليمه و أحكامه و العمل بها و لم يترك بابا من أبواب العلم إلا ولج منه إليه و ناظر الزنادقة و الملحدين و المنحرفين في تفكيرهم و اتجاهاتهم عن اصول الإسلام و كانت له مع هؤلاء و هؤلاء جولات موفقة ناجحة اعادت الكثير منهم الى مواقع الحق و الصواب، و ظلت دروسه في مختلف المواضيع غنية بالعطاء لكل من جاء بعده، و مرجعا للمفكرين و العلماء في كل ما يتعسر عليهم حله.