سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١١٥ - الإمام الرّابع علي بن الحسين زين العابدين
شابا من بني عمومتي مجزرين كالأضاحي، و نظرت إلى عماتي و أخواتي و قد احاط بهم أهل الكوفة و هن يستغثن و يندبن قتلاهن، و اللّه ما ذكرت ذلك اليوم إلا و خنقتني العبرة.
و جاء عن أبي عبد اللّه الصادق (ع) أنه قال: البكاءون خمسة: آدم و يعقوب و يوسف و فاطمة بنت محمد (ص) و علي بن الحسين، أما آدم فلقد بكى و اشتد حزنه لما أخرجه اللّه من الجنة، و أما يعقوب فلقد بكى على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن و قيل له (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) و أما يوسف فإنه بكى على أبيه حتى تأذى من كان معه في السجن، و أما فاطمة فقد بكت على أبيها حتى لحقت به و قد تأذى أهل المدينة من بكائها و قالوا لها: لقد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج الى مقابر الشهداء تبكي يومها فإذا جاء الليل رجعت إلى بيتها، و أما علي بن الحسين (ع) فلقد بكى على أبيه اكثر من ثلاثين سنة و لم يقدم له طعام و شراب إلا و قال: كيف آكل و قد قتل أبو عبد اللّه جائعا و كيف أشرب و قد قتل أبو عبد اللّه عطشان، إلى غير ذلك مما رواه الرواة عن حزنه و بكائه عند كل مناسبة تذكره بما جرى الأهل بيته من المآسي و المصائب التي تحمل مرارتها طيلة حياته و كان كلما اجتمع إليه جماعة أو وفد من وفود الأقطار يردد عليهم تلك المأساة و يقص عليهم من أخبارها و يخرج إلى السوق أحيانا فإذا رأى جزارا يريد أن يذبح شاة او غيرها يدنو منه و يقول: هل سقيتها الماء؟
فيقول له: نعم يا ابن رسول اللّه، انا لا نذبح حيوانا حتى نسقيه و لو قليلا من الماء، فيبكي عند ذلك و يقول: لقد ذبح ابو عبد اللّه عطشان.
و جاء عنه انه دخل يوما فرأى غريبا فسلم عليه و دعاه الى بيته لضيافته، و قال له بحضور جمع من الناس: أ ترى لو اصابك الموت و أنت غريب عن أهلك هل تجد من يغسلك و يدفنك؟ فقال الناس: يا ابن رسول اللّه كلنا يقوم بهذا الواجب، فبكى و قال: لقد قتل أبو عبد اللّه غريبا و بقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غسل و لا كفن.