سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٢٩ - الإمام علي بن الحسين في المدينة
فنزلت عن فرسي و جعلت اتخطى الرقاب حتى دنوت من الفسطاط الذي فيه الإمام علي بن الحسين فخرج بعد أن ازدحم الناس حول فسطاطه خرج و معه خرقة يمسح بها دموعه و أخرج الخادم له كرسيا وضعه له فجلس عليه و هو لا يتمالك من العبرة و ارتفعت أصوات الناس بالبكاء من حوله يعزونه بأبيه فأومأ بيده الى الناس أن اسكتوا و قال: الحمد للّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين بارئ الخلق اجمعين الذي بعد فارتفع في السماوات العلى و قرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الأمور و فجائع الدهور و ألم الفجائع و مضاضة اللواذع و جليل الرزء و عظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة.
ثم قال: أيها القوم ان اللّه و له الحمد ابتلانا بمصائب جليلة و ثلمة في الإسلام عظيمة قتل ابو عبد اللّه و عترته و سبي نساؤه و صبيته و داروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، و هذه الرزية التي لا مثلها رزية.
أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أي عين منكم تحبس دمعها و تضن عن انهمالها و أي قلب لا يتصدع لقتله، و أي فؤاد لا يحن إليه، و أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام و لا يصم.
أيها الناس اصبحنا مطرودين مشردين مذودين شاسعين عن الأمصار من غير جرم اجترمناه و لا مكروه ارتكبناه و لا ثلمة في الإسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ان هذا الا اختلاق، و اللّه لو ان النبي (ص) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا للّه و إنا إليه راجعون من مصيبة ما اعظمها و أوجعها و أكظها و أفظعها و أمرها و أفدحها فعند اللّه نحتسب ما اصابنا و ما بلغ منا انه عزيز ذو انتقام.
فأثار خطابه الأسى و الحزن في نفوس تلك الجماهير التي احتشدت من حوله و ارتج المكان بالبكاء و العويل و أحس المسلمون بمرارة تلك الصدمة