سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣٨ - لمحات مما قيل فيه
و مضى يقول: ما رأت عين و لا سمعت أذن و لا خطر على قلب بشر افضل من جعفر بن محمد الصادق علما و عبادة و ورعا. و قال فيه ابو حنيفة: ما رأيت افقه من جعفر بن محمد، لقد قال لي المنصور: ان الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من المسائل الشداد و اسأله عنها، فهيأت له أربعين مسألة و كان المنصور في الحيرة قد أعد مجلسا حشد فيه الوجوه و الاعيان و بعث إلي فدخلت عليه و جعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة له ما لم يدخلني من المنصور فسلمت عليه و جلست فقال لي المنصور: يا ابا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه مسائلك فجعلت القي عليه مسألة مسألة و هو يقول في جوابها: أنتم تقولون كذا، و أهل المدينة يقولون كذا و نحن نقول كذا فربما خالفنا و ربما خالفهم و أحيانا يوافقنا أو يوافقهم حتى أتيت على الأربعين مسألة ما أخل منها بمسألة واحدة، و كان نتيجة المناظرة أن قال ابو حنيفة في ذلك الحشد و بحضور المنصور الذي كان يترقب لأبي عبد اللّه الصادق (ع) و لو وقفة قصيرة عند بعض المسائل، كانت النتيجة ان قال ابو حنيفة: أعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس، فأحس المنصور بالخيبة و تبددت آماله التي كان يرجوها من وراء هذه المناظرة، لقد كان يرجو او يتمنى ان يتوقف الإمام الصادق (ع) و لو في مسألة من المسائل الأربعين التي اعدها له أبو حنيفة من بين المسائل الصعاب.
لقد كان المنصور يتمنى ذلك ليظهر للناس ان جعفر بن محمد كغيره من الفقهاء لا كما يراه شيعته و أصحابه و أكثر الناس فوق مستوى الجميع، فاستطاع الإمام (عليه السلام) ان يفرض نفسه على أبي حنيفة و المنصور و على الناس اجمعين.
و كان أبو حنيفة قد تتلمذ على الإمام الصادق نحوا من سنتين متصلتين حينما فر من حبس ابن ابي هبيرة و التجأ الى الحجاز فأقام بها الى ان ظهر ابو العباس السفاح و بهذه المناسبة كان أبو حنيفة يقول: لو لا السنتان لهلك النعمان، و التقى به اكثر من مرة خلال سفراته الى الحجاز.