بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٨ - الجواب الثالث أنّ الحكم الشرعيّ له مراتب أربع
هذا المدلول التصديقيّ الأعمق ليس على الإطلاق، و إلّا، لوقع التضادّ، و إنّما هو منوط بعدم قيام الأمارة على الخلاف، أو بوصول الخطاب، لكن لا نرفع اليد عن المدلول التصديقيّ غير الأعمق الذي هو جعل الحكم؛ إذ لا منافاة بين الحكم الظاهريّ و هذا المدلول التصديقيّ غير الأعمق، إذن، فالمسألة ليست تفكيكاً بين الجعل و المجعول، بل مسألة افتراض مدلولين تصديقيّين، نرفع اليد عن إطلاق أحدهما في الجملة، و نتحفّظ على الآخر، و هذا يُنتج حينئذٍ أنّ الحكم الإنشائيّ موجود في حقّ الجاهل؛ لأنّ الحكم الإنشائيّ عبارة عن ذلك المدلول التصديقيّ غير الأعمق، و يبقى الحكم الفعليّ منوطاً بعدم قيام أمارة على الخلاف، أو بوصول الخطاب؛ لأنّ الحكم الفعليّ عبارة عن ذلك المدلول التصديقيّ الأعمق، و لا استحالة في ذلك.
و الحاصل هو: أنّ الاعتراض مبنيّ على تحميل صاحب الكفاية (قده) مصطلحات الميرزا (قده) في تفسير الإنشاء و الفعليّة، و ذلك بحمل الأوّل على الجعل و القضيّة الشرطيّة الحقيقيّة، و حمل الثاني على المجعول و القضيّة الفعليّة.
و قد عرفت أنّ هذا التحميل و الحمل بلا موجب؛ فإنّ مقصود الكفاية من الفعليّة هو الإرادة أو الكراهة بوجوديهما الفعليّين في نفس المولى، و مقصوده من الإنشاء الوجود الإنشائيّ للحكم، أو الاعتبار المبرز، على الاختلاف في تفسير الإنشاء كما عرفت، و التضادّ بين الأحكام، إنّما هو بلحاظ المرحلة الفعليّة لمبادئها، من الإرادة الفعليّة أو الكراهة الفعليّة، و ليس التضادّ بينها في الوجود الإنشائيّ بكلا معنييه، حيث لا تضادّ بينها في هذه المرحلة؛ لأنّ الإنشاء أو الاعتبار سهل المئونة، فإذا ثبت بطلان التصويب نلتزم حينئذٍ بأنّ الأحكام الواقعيّة ثابتة بمرتبتها الإنشائيّة، و تبقى مرتبة فعليّتها معلّقةً على