بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧١ - الاتّجاه الثاني في إسقاط حجّيّة الظهور القرآنيّ،
يتصوّر حكيم يأتي الناس بكتاب محكم ليهديهم به، ثمّ يتعمّد في أن يجعله مجملًا ملغزاً بحيث لا يفهمه الناس، مع أنّه يريد أن يُثبت أحقّيّة مدّعاه بهذا الكتاب، فإنّ هذا مطلب لا يمكن أن يصدر من أدنى حكيم، فضلًا عن خالق الحكماء تعالى.
و أمّا ربط الناس بالحجج و الأوصياء (عليهم السّلام)، فهذا فرع إثبات أصل الرسالة الذي لا بدّ فيها من أن يكون القرآن مبيّناً واضحاً ليتدبّره الناس و يؤمنوا بأنّه من الله تعالى؛ لأنّ هذا سند النبوّة؛ إذ بعده تثبت النبوّة و الإمامة، إذن، فربط الناس و الأمّة بالأئمّة لا يتوقّف على إجمال القرآن، حيث إنّ المقدار المبيّن منه ليس جزءاً محدوداً، و الجزء الأعظم من حقائق الشريعة لم يُبيّن في القرآن، بل ترك بيانه للرسول و خلفائه الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام).
و الحاصل هو: أنّ هذه الدعوى نفس تصوّرها يوجب القطع ببطلانها.
التقريب الثاني: هو أن يُقال: إنّ الإجمال ليس أمراً متعمّداً، و لكنّه على القاعدة، فطبع المطلب يقتضي الإجمال، و ذلك لأنّ كلّ كتاب تُقدّر دقّته و عمقه بدقّة و عمق صاحب الكتاب، فكلّما كان صاحب الكتاب أدقّ، كان كتابه أصعب فهماً، إذن، فهذا الإجمال الذاتيّ ينشأ من دقّة المعنى، لا من خصوصيّة اللّفظ، و مقتضى التناسب هذا أن يتعذّر فهم كتاب الله تعالى على غير الأئمّة (عليهم السّلام).
و هذا التقريب أيضاً لا محصّل له؛ لأنّ الكتاب الذي يصدر من مصدر رفيع الشأن عالم حكيم، لا بدّ و أن يتناسب مع الفرض الذي أُنزل و جُعل من أجله هذا الكتاب، و كلّما كان ذلك المصدر أعلى شأناً كان وفاء ذلك الكتاب بذاك الغرض أتمّ و أتقن و أضبط، فلو فرض أنّ المولى كان بصدد إنزال كتاب لتحقيق حال القوانين الهندسيّة، و تحقيق حال النسب