بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٧٢ - الاتّجاه الثاني في إسقاط حجّيّة الظهور القرآنيّ،
المكانيّة، حينئذٍ: لا بدّ و أن يفرض أنّ هذا الكتاب فيه من الدقّة ما لا يوجد في كتاب هندسيّ آخر، فكيف إذا كان الغرض من إنزال القرآن ليس مزاحمة أقليدس أو أيّ عالم آخر، و إنّما كان الغرض منه هداية الإنسان و إخراجه من الظلمات إلى النور، و تربيته تربية صالحة، فلا بدّ و أن ينظر إلى هذه الحيثيّة، و هي حيثيّة وفاء القرآن بالتربية الصالحة و إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، و لا شكّ في أنّ القرآن وافٍ بهذا وفاءً لا نظير له و لا مثيل في تاريخ البشريّة، إذن، من هنا يُعرف أنّ الغرض الذي هو تربية الإنسان بنفسه يتوقّف على تبسيط المطالب و التكلّم بلغة يفهمها الناس، و إلّا، كان ذلك نقضاً للغرض، هذا مضافاً إلى أنّنا نحن نتكلّم في آيات الأحكام، و فيها لا يوجد طلاسم و لا تغفل الدقّة بنحو لا يُفهم، فإذا قال: إذا مات الإنسان و له أولاد ذكور و إناث فللذكر مثل حظّ الأنثيين، فمثل هذا لا يُتصوّر فيه دقّة لا تُفهم، نعم، قد تكون الدقّة في ملاكات الأحكام، إلّا أنّ هذا غير محلّ كلامنا.
و أمّا الإجمال العرضيّ فهو مبنيّ على دعوى وجود علم إجماليّ بعدم إرادة بعض ظواهر القرآن، كوجود قرينة على الخلاف، فيقع التعارض و الإجمال فيما بينها.
و هذا الكلام صحيح في نفسه، إلّا أنّ مثل هذا العلم هو موجود أيضاً بالنسبة للسنّة، و لا يدّعي أحد سقوطها من الحجّيّة، بل كما يُقال في السنّة: إنّ هذا العلم ينحلّ بعد الفحص عن المخصّصات و القرائن، كذلك يُقال بالنسبة لظواهر القرآن.
و قد مضى تحقيق هذا البحث في وجوب الفحص عن المخصّص قبل العمل بالعامّ، و ليس للكتاب مزية على السنّة من هذه الناحية.
وعليه: فالصحيح أنّ ظواهر القرآن في آيات الأحكام حجّة، كظواهر السنّة الشريفة فيها.