بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٨ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
و هذا الكلام تارةً: يبيّن بلسان أنّ السيرة العقلائيّة لا يمكن الاستدلال بها؛ لأنّها مقتصرة على إثبات حجّيّة ظهور المتكلّم العرفيّ، و المفروض أنّنا نتكلّم عن متكلّم غير عرفيّ ممّن اعتمد أسلوب القرائن و المخصّصات، فمثل هذا يكون خارجاً موضوعاً عن كبرى حجّيّة السيرة العقلائيّة.
و تارةً أُخرى: يُبيَّن بلسان أنّ السيرة العقلائيّة تحتاج إلى تتميم بسيرة المتشرّعة، و ذلك بدعوى أنّ المتشرّعة خارجاً كانوا يعملون بظواهر كلمات المعصوم (عليه السّلام) وفق مرتكزاتهم العقلائيّة، أي: يعملون بما هم عقلاء، بلا ضمّ أيّ شيءٍ إضافيّ.
و بعبارة أُخرى: إنّهم كانوا يعملون بكلام المعصوم (عليه السّلام) و هم ملتفتون إلى أنّه سوف يأتي بالمخصّص المنفصل، إذن، لا شكّ بأنّ عملهم كان وفق سجيّتهم العقلائيّة.
و هذا بنفسه يكون شاهداً على أنّ كبرى السيرة العقلائيّة منطبقة على كلام المعصوم (عليه السّلام)، أي: على كلام متكلّم غير عرفيّ؛ إذ لو لم تكن السيرة العقلائيّة منعقدة على العمل بظواهر كلامه، إذن، لوقع المتشرّعة أصحاب المعصوم (عليه السّلام) في حيص و بيص و سؤال و استفهام منه (عليه السّلام) حول أنّهم كيف يعملون، و هل أنّهم يعملون بظواهر كلامه (عليه السّلام) أو لا؟
بينما لا نجد مثل هذا الارتباك في سيرتهم، ممّا يكشف عن أنّهم تلقّوا ظواهر كلام المعصوم (عليه السّلام) تلقّياً عقلائيّاً، كما يتلقّون أيّ كلامٍ آخر، لا أنّ السيرة لا تشمل ظواهر كلام المعصوم، و مع ذلك عمل أصحابه (عليه السّلام) به، فإنّ معنى هذا أنّ عملهم كان من باب التعبّد، و هذا فرع السؤال و الجواب، مع أنّ هذا لم يصل إلينا.
و قد تبيّن الشبهة ثالثة بلحاظٍ آخر، فيُقال: بأنّ هذه الشبهة تبطل كلتا السيرتين.