بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣١ - الجهة الرابعة هي في مقدار ما يُستفاد من السيرة من حدود الحكم الشرعيّ
فنقول: إنّ السيرة إذا كانت سيرة المتشرّعة، فتارةً يُفرض انعقادها على عدم التقيّد بفعل، كما في عدم التقيّد بمسح القدمين في الوضوء بتمام الكفّ مثلًا، فإذا أثبتنا ذلك، فهذه السيرة تدلّ على عدم وجوب ما لا يتقيّدون به؛ إذ مع وجوب المسح بتمام الكفّ، تكون هذه السيرة ناشئة من اجتماع غفلات كثيرة، و هو منفيّ بحساب الاحتمال.
و أما إذا فرض أنّ السيرة انعقدت على الإتيان بالفعل، فلا إشكال في أنّه يثبت جوازه بالمعنى الأعمّ في مقابل الحرمة؛ لأنّه لو كان حراماً للزم المحذور السابق، لكن هل يثبت الوجوب أو الاستحباب أو جامع الطلب أو لا؟
و حينئذٍ ينبغي أن يُقال: إنّه إن أُحرزت نكتة ارتكازيّة للسيرة و أنّ السيرة لها عنوان ناشئ من النكتة المذكورة، بمعنى: أنّ المتشرّعة كانوا يعملون هذا العمل بنكتة أنّه مستحبّ أو واجب أو مباح، حينئذٍ: نفس الدليل يدلّ على إمضاء النكتة؛ لأنّ هذه النكتة لو لم تكن شرعيّة، إذن فهي ارتكازيّة في داخل المتشرّعة القريبين من التلقّي الحسّيّ عن المعصوم (عليه السّلام)، و حينئذٍ: يكون معنى هذا: افتراض اجتماع غفلات متعدّدة، و هو منفيّ، فيثبت حينئذٍ العنوان.
و أمّا إذا لم يثبت لدينا النكتة، بل ثبت التزامهم في الخارج بهذا الفعل، حينئذٍ: تارةً يُفرض وجود دوافع خارجيّة طبيعيّة للالتزام بالفعل، من قبيل: أنّ العرف العامّ كان يناسب الإتيان به، ففي مثله: لا يكشف التزامهم حينئذٍ إلّا عن عدم الحرمة و الكراهة، أمّا الاستحباب أو الوجوب فلا يكشف عنه؛ إذ لعلّ تطابقهم كان باعتبار عرفيّة المطلب في نفسه، من قبيل إبقاء اللّحية، فإنّه كان عرفاً عالمياً في عصر المعصوم (عليه السّلام)، فلعلّ كونه عرفاً عالمياً اقتضى السير عليه من دون أن يكون مطلوباً شرعاً.