بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٩ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
و الحاصل: هو أنّه لا يمكن أن نحرز اتّحاد الشارع مع العقلاء في المسلك، و إن كان سيّدهم، إذ كونه سيّدهم، هو الموجب لاحتمال الفرق معهم، لكون مرتبة عقله أتمّ و أكمل من مراتب عقولهم، فإنّه كلّما كان أعقل كان أدقّ وصولًا و أحسن حصولًا، فالاتّحاد بين الشارع و العقلاء غير محرز إذن.
و ثانياً: هو أنّه لو سلّمنا أنّ الاتّحاد في المسلك بلحاظ الحيثيّة الأُولى يكون محرزاً، و فرضنا أنّ الشارع بما هو عاقل متّحد في المسلك مع سائر العقلاء، لكن تارةً نفرض أنّ هذا الاتّحاد في المسلك يوجب القطع بأنّ حاله بما هو شارع أيضاً لا يخالفهم، أي: أنّ حاله بما هو شارع كحالهم بما هم عقلاء، و هذا معناه: القطع بإمضائه بما هو شارع، و عدم إمكان صدور الردع منه، و هو خلف كونه شارعاً، إذن، فلا بدّ من فرض أنّه ردع عن ذلك، لكونه شارعاً، إذن، فلا بدّ من فرض إحراز كون الشارع متّحداً مع العقلاء في المسلك بما هو عاقل، لكن على نحوٍ متّحدٍ في أنّه بما هو شارع يردع عن ذلك.
و حينئذٍ نقول: بأنّه كيف يكتفى بمجرّد هذا الاتّحاد في المسلك بما هو عاقل في مقام ترتيب الأثر ما لم يثبت اتّحاده في المسلك معهم بما هو شارع؟
فإن ادّعي الاكتفاء بذلك على وجه الموضوعيّة، يعني: أنّ اتّحاده في المسلك مع العقلاء بما هو عاقل، أي: بما هو هو يقيم الحجّة علينا، لا بما هو كاشف عن اتّحاده معهم بما هو شارع- و هذا معنى الموضوعيّة- فهذا غير صحيح؛ لأنّه لا يقيم الحجّة علينا بذلك؛ لأنّ الحجّة و التنجّز فرع صدور حكمٍ من المولى بما هو مولى، و أمّا إذا لم يُعمل مولويّته في ذلك، و لم يحكم بما هو شارع، فبمجرّد تطابق ذوقه مع أذواق العقلاء بما هو عاقل، لا بما هو شارع، فهذا ليس موضوعاً