بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٨ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
العقل المشترك بينهم ليُقال: إنّ هذا العقل موجود عند الشارع أيضاً، و ذلك لأنّ العقلاء كما يشتركون في حاقّ العقل، فهم يشتركون في كثير من المشاعر التي لا ترجع إلى حاقّ العقل.
إذن، لعلّ تطابقهم على هذا السلوك إنّما هو بلحاظ حيثيّة أُخرى تتناسب معهم غير العقل.
نعم، هذه الحيثيّة لا تتنافى مع العقل، و حينئذٍ: مع هذا الاحتمال نحتمل أن يكون الشارع غير متّفق معهم، و حيث نقصد بالشارع هنا (الله تعالى) فإنّ الله تعالى فوق هذه المشاعر و الانفعالات التي قد تؤدّي إلى هذه السيرة، و من هنا، نحتمل أنّ الشارع بما هو عاقل لا يتّحد مع العقلاء في هذه السيرة.
السبب الثاني: لاحتمال عدم الاتّحاد معهم هو أن يُقال: إنّه لو سلّمنا أنّ هذه السيرة الصادرة من العقلاء- بعد تأمّل و إعمال عنايات زائدة- هي ناشئة عنهم بلحاظ عقلهم، لا بلحاظ حيثيّة أُخرى من الحيثيّات المشتركة بين العقلاء، لكن مع هذا، لا يمكن أن نحرز أنّ الشارع متّحد معهم في المسلك، رغم كونه سيّد العقلاء، فإنّ كونه سيّدهم هو الموجب لاحتمال الفرق؛ لأنّ معنى كونه سيّد العقلاء يعني أنّه بحسب مرتبة عقله التي يتعامل على أساسها هو أعلى كثيراً من المرتبة التي يعيشها العقلاء و يصدرون عنها، فإنّ كلّ مرتبة من العقل تناسب مرتبة من الاستنتاج؛ إذ كلّما كان أعقل كان أكثر وصولًا و أدقّ صواباً و حصولًا لما هو أحسن، إذن، فالاتّحاد في المسلك بلحاظ الحيثيّة الأُولى غير محرز.