بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٢٣ - الجهة الثالثة و هي في إثبات الركن الثاني في تتميم دلالة السيرة
و نكتة هذه الملازمة هي أنّ الردع عن كلّ سيرة، المقابل للسكوت عنها، هذا الردع، يتحدّد حجمه و مقداره بمقدار أهمّيّة هذه السيرة المردوع عنها و ترسّخها، فمثلًا: لو تصرّف شخص واحد بتصرّف شخصيّ أمام المعصوم على خلاف الموازين، فردعه عن ذلك، فهذا تصرّف واحد في مقابله ردع واحد، حينئذٍ، مثل هذا الردع قد لا يصل إلينا، لكن إذا فرض أنّ هذا التصرّف كان يمارسه أكثر الناس، و كان يتكرّر كثيراً بحكم العادة، حينئذٍ: في مقابل هذه السيرة، لا بدّ أن يتكرّر الردع من المعصوم كثيراً لكي تتناسب قوّة الردع مع قوّة و حجم المردوع عنه، و حينما يتكرّر هذا الردع، فإنّه يولّد بنفسه انتباهاً من المتشرّعة للسؤال؛ لأنّ هؤلاء العقلاء متشرّعة، و شأنهم أن تكون أسئلتهم كثيرة بحكم كون القضيّة عامّة و في معرض ابتلاء أكثر الناس، و كثرة الأسئلة توجب قطعاً كثرة الأجوبة، و هكذا تتصاعد البيانات و التوضيحات، و هذا أمر شواهده كثيرة خارجاً في الردوع عن المعصوم (عليه السّلام) عن السير التي تصدّى المعصومون للردع عنها.
و حينئذٍ: رغم أنّ القضيّة استوجبت هذا المقدار من الردع، فمن البعيد جدّاً بحسب حساب الاحتمالات، أن تختفي جميع هذه الردوع عنّا و لا يصلنا شيء منها، رغم توفّر الدواعي لنقلها إلينا، و رغم كونها بيانات تأسيسيّة؛ إذ قد يحصل تسامح مثلًا بما هو على وفق الطبع، لكن إذا كانت السيرة على نجاسة التفاح مثلًا، فمثل هذا أمر قد لا يتسامح فيه، بل لا بدّ أن يصل إلينا شيء من تلك السيرة، و لو بنحو الموجبة الجزئيّة.
و خلاصة إثبات الشرطيّة الثانية هي أنّ عدم وصول الردع يكشف عن عدمه ثبوتاً؛ فإنّ الردع عن كلّ سيرة، المقابل للسكوت عنها، يتحدّد حجمه و مقداره بما يتناسب مع حجم و أهمّيّة السيرة المردوع عنها، فردع المعصوم عن عمل شخصيّ قد لا يصل إلينا؛ إذ قد لا تصل إلينا كلّ واقعة شخصيّة، لكن الردع عن تصرّفٍ يمارسه كثير من الناس