بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٥ - القسم الأوّل هو سيرة منقّحة لموضوع الحكم الشرعيّ، و ليست مشرّعة،
منقّحة للموضوع إثباتاً لا ثبوتاً، أي: كاشفة عن تنقيح الموضوع و ثبوته، من قبيل أن يفترض أنّه عندنا دليل على أنّ (المؤمنين عند شروطهم)، فإذا شرط إنسان في العقد على الطرف الآخر أن يكون له خيار الفسخ، فيثبت له هذا الخيار بمقتضى الشرط؛ لأنّ المؤمنين عند شروطهم، فهذا دليل محموله الخيار، و موضوعه شرط العاقد.
فهنا نقول: بأنّ السيرة العقلائيّة انعقدت على خيار الغبن، فنثبته بالسيرة؛ لأنّ بناء العقلاء في مقام المعاوضة أن لا يرفعوا يدهم عن ماليّة المال، بل يرفعون يدهم عن شخص المال، فهم يريدون الحفاظ على ماليّة مالهم مع تسامح قليل فيه أحياناً.
حينئذٍ نقول: بأنّ هذا البناء من العقلاء يوجب حاليّاً ظهوراً نوعيّاً للمتعاقدين في وضعهم، على أنّهم اشترطوا ضمناً أن لا تختلّ المساواة بين الماليّتين إلّا بمقدار مغتفر عادةً، و إلّا، فلو حصل التفاوت بأكثر من المتعارف، لكان لأحدهم خيار الغبن.
و هنا في هذا النحو، السيرة العقلائيّة ليست هي المشرّعة، و ليست هي الدليل على الكبرى المشرّعة شرعاً، بل الكبرى المشرّعة شرعاً هي قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، أو (المؤمنون عند شروطهم)، و إنّما هذه السيرة منقّحة لموضوع الحكم، و أنّ الخيار ثابت عند التفاوت غير العاديّ، فهذا قد كشف عنه سيرة العقلاء؛ إذ ظهور حال كلّ فرد يجري حسب المقاصد العقلائيّة أن يجري بحسب هذا الشرط الضمنيّ.
و الفرق بين هذا النحو و النحو الأوّل هو أنّه هنا في هذا النحو، السيرة العقلائيّة كاشفة عن الموضوع، لا موجدة له، بينما في النحو الأوّل، كانت السيرة موجدة للموضوع كما تقدّم.
و هذا الفرق بين النحوين يترتّب عليه أثر، و هو أنّه لو شذّ إنسان