بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩٤ - القسم الأوّل هو سيرة منقّحة لموضوع الحكم الشرعيّ، و ليست مشرّعة،
النحو الأوّل: هو أن تكون السيرة منقّحة لموضوع الحكم، بمعنى: أنّها متصرّفة في المفهوم المأخوذ في موضوع الدليل، من قبيل: دليل وجوب النفقة على الزوجة، فهذا الدليل دلّ على وجوب النفقة على الزوجة، أمّا أنّه ما هو مقدار هذه النفقة، و ما هو نوعها و حدّها، فهذا قد بُيّن في القرآن الكريم بعنوان الإمساك بمعروف، أمّا أنّه ما هو هذا المعروف، فهنا تتدخّل السيرة العقلائيّة لتشخيص هذا المعروف، و أنّه عبارة عن العرف و الأمر الشائع و نحوه، فإذا فرض أنّ السيرة العقلائيّة تعارفت- نتيجة ظروف اجتماعيّة أو اقتصاديّة- على أن تكون النفقة للزوجة بنحوٍ أتمّ و أكمل ممّا كانت عليه و كان لها في غابر السنين، حينئذٍ: هذه السيرة العقلائيّة تنقّح موضوع الوجوب في المقام، فيكون الإمساك بمعروف عبارة عن تخصيص هذا المقدار من وسائل الراحة للمرأة، و ما هو أقلّ منه لا يكون إمساكاً بمعروف، إذن، فلا يكون امتثالًا للواجب.
فالسيرة هنا نقّحت موضوع الوجوب الشرعيّ، فتبعه الوجوب، و ليس ذلك إعمالًا لتشريع من قبل العقلاء، و لا استدلالًا ببناء العقلاء على حكم شرعيّ، بل الحكم الشرعيّ ثابت بدليله، و إنّما بناء العقلاء و سيرتهم تصرّفت في مفهوم موضوع الوجوب حسب تغيّر الأوضاع الاجتماعيّة للناس.
و مثل هذه السيرة تدخل في القسم الأوّل، أي: أنّها سيرة منقّحة للموضوع، غير أنّها منقّحة للموضوع ثبوتاً، يعني: بها يتنقّح الموضوع و يوجد، لا أنّه بها يُكشف الموضوع، إذن، فتنقيح الإمساك بمعروف يوجد بالسيرة ثبوتاً.
النحو الثاني: من القسم الأوّل هو: أن تكون السيرة العقلائيّة