بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٩ - القسم الأوّل هو دعوى منافاة الحجّيّة و جعل الحكم الظاهريّ للقواعد العقليّة،
بمعنى: أنّ موضوع القاعدة ليس شكّاً واحداً، بل موضوعها مجموع شكّين، إذا اجتمعا تجري القاعدة، و إلّا، فلا تجري، و الشكّ الأوّل هو: الشكّ في أنّ الدعاء عند رؤية الهلال واجب أو لا؟ و الشكّ الثاني هو في قضيّة شرطيّة، و هي: أنّه لو كان الدعاء عند رؤية الهلال واجباً، فهل يهتمّ المولى بالتحفّظ على هذا الحكم، بحيث يوجب الاحتياط أو لا؟ فإذا كان التكليف أصله مشكوكاً،- و هذا هو الشكّ الأوّل- و كان اهتمام المولى به على تقدير وجوده مشكوكاً،- و هذا هو الشكّ الثاني- فحينئذٍ، يتمّ كلا الشكّين، و تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أمّا إذا زال أحد الشكّين، كما لو علمنا بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال بالنسبة للشكّ الأوّل، فحينئذٍ: لا تجري القاعدة، لكن حينئذٍ: يزول الشكّ الثاني، و ذلك كما لو علمنا بأنّ الوجوب لو كان ثابتاً، فإنّ المولى لا يرضى بتفويته على كلّ حال، حيث إنّ له مرتبةً عاليةً من الاهتمام، فهنا أيضاً لا تجري القاعدة؛ لأنّ القضيّة الشرطيّة غير مشكوكة.
إذن، فنحن ندّعي أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان موضوعها هذان الشكّان، و دليل الحجّيّة الذي يجعل خبر الثقة حجّةً، فهو و إن كان لا يرفع الشكّ الأوّل؛ لأنّه لا يوجب اليقين بوجوب الدعاء، لكنّه يرفع الشكّ الثاني؛ لأنّ مفاد دليل الحجّيّة، سواء كان لسانه جعل الطريقيّة أو المنجّزيّة أو جعل الحكم المماثل أو أيّ شيءٍ آخر، فهذا الدليل مفاده عرفاً هو إبراز شدّة اهتمام المولى بتكاليفه الواقعيّة على نحوٍ بحيث لا يرضى بتفويتها مع قيام الأمارة عليها، و هذا روح أدلّة الحجّيّة، و حينئذٍ: الشكّ الثاني يرتفع في المقام؛ لأنّنا نقطع بأنّ هذا التكليف بوجوب الدعاء على تقدير ثبوته، فالمولى لا يرضى بتفويته مع قيام خبر الثقة؛ لأنّه هو يقول: لا عذر للتشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا، و حينئذٍ: تصبح القضيّة الشرطيّة غير مشكوكة، و بذلك يرتفع