بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٦٠ - الوجه الأوّل هو أن يُقال بأنّ الأصل عند الشكّ في الحجّيّة هو عدم الحجّيّة؛
ممّا كان بأيدينا من القواعد التي كانت هي المرجع لو لا هذا الخبر المشكوك الحجّيّة؟
و هذه القواعد، أوّلها: قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بناءً على مسلك المشهور القائلين بها، فلولا هذا الخبر لرجعنا إلى هذه القاعدة، أي: إلى البراءة العقليّة، و حينئذٍ: هنا نقول: بعد قيام هذا الخبر المشكوك، أيضاً: نرجع إلى هذه القاعدة؛ لأنّ قيام ما لم يتمّ البيان على حجّيّته لا يكون بياناً، و ضمّ احتمال الحجّة إلى احتمال الواقع، هو ضمّ احتمالٍ إلى احتمال، و هذا لا يشكّل بياناً، إذن، فموضوع القاعدة موجود، فنرجع إلى البراءة العقليّة حينئذٍ.
و ثاني هذه القواعد هي البراءة الشرعيّة، و هنا أيضاً نقول: إنّه مع قيام هذا الخبر المشكوك نتمسّك بإطلاق دليل البراءة الشرعيّة، أي: بإطلاق (رُفِع ما لا يعلمون)، و ذلك لأنّ حجّيّة خبر الواحد على فرض ثبوتها، تكون مخصّصة لدليل البراءة، أو حاكمة بحاكميّة مرجعها إلى التخصيص، فهي بحسب الروح، لسانها نفي الموضوع.
حينئذٍ: من الواضح أنّ هذا يكون من موارد الشكّ في التخصيص الزائد، و دليل البراءة تامّ، و المفروض أنّه لم يقم دليل على حجّيّة خبر الواحد، أي: لم يقم دليل على التخصيص، إذن، فهذا شكّ في التخصيص الزائد، أو في حكومةٍ روحها التخصيص الزائد، فنتمسّك بعموم الدليل.
نعم، لو كان حجّيّة خبر الواحد لا بالتخصيص، و لا بحكومةٍ ترجع إلى ذلك، بل بالورود، بمعنى: أنّها ترفع الموضوع حقيقةً، حينئذٍ: فالشكّ فيها شكّ في الموضوع حقيقةً، فيكون شبهة مصداقيّة لدليل البراءة، و لا يمكن التمسّك بدليل البراءة في الشبهة المصداقيّة، لكن هذا مجرّد فرض.