الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٨٨ - البحث السابع في سبب انتشار التشيّع في بلاد الإسلام
و أهل حلب و طرابلس الشام و أكثر سواحل سورية كان الغالب عليهم التشيّع، و فقهاء حلب من الشيعة حالهم معلوم حتى قيل إنّهم كانوا يقولون بوجوب الإجتهاد عينا، و بنو زهرة الأشراف كانوا نقباء حلب و فيهم عدّة من الفقهاء، و بقي التشيّع في حلب منتشرا إلى حوالي المائة السّادسة فقتلت الشيعة فيها قتلا عاما و تفرّق من سلم منهم في الأقطار، و جملة منهم جاءوا إلى دمشق و سكنوها إلى اليوم منهم آل الواسطي و آل اللّحام.
و ربما دلّ هذا على أن الخوف كان في دمشق أقل منه في حلب أو لا خوف فيها، و ابن البراج [١] تولّى قضاء طرابلس الشام ثلاثين سنة و ذلك في أواسط المائة الخامسة، و انتشر التشيّع في جبل عامل و سواء أكان مبدأه من وقت نفي أبي ذر أم لا، فمما لا يشك فيه أنه في المائة السّادسة كان جلّ أهلها شيعة، و يستفاد من رحلة ناصر خسرو التي كانت في القرن الرابع انتشار التشيّع فيها في ذلك العصر، و أما صيدا فكان أكثر أهلها شيعة في المائة الرابعة، و أهل حمص كان الغالب عليهم التشيّع في ذلك العصر و ما قاربه.
و يرجع السبب في انتشار التشيّع في جميع البلدان هذا الانتشار إلى أنه مذهب الفطرة، فكان ينتشر بأقل دعاية بل و بدون دعاية إذا وجد من يحميه بل مع عدم وجود من يحميه، فكما أن الإسلام أصله هو دين الفطرة تقبله النفوس لأول وهلة، لأن يدعو إلى عبادة ربّ واحد لا شريك له و نبذ عبادة الأصنام و الأحجار و البشر، و إلى العدل و المساواة و كلّ عمل و خلق حسن، و ينهى عن كلّ عمل و خلق قبيح، كذلك التشيّع في الإسلام هو مذهب الفطرة تقبله النفوس لأول وهلة، لأن قطبه الّذي يدور عليه بعد الإقرار بالشهادتين و الإعتقاد بضروريات الإسلام هو موالاة أهل البيت عليهم السّلام و تقديمهم على من سواهم.
و هذا أصبح لكثرة ما يدلّ عليه كالبديهي، فإن نظرنا إلى أولهم و سيّدهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وجدنا له من الفضائل و المزايا ما لا يشاركه فيه غيره عند ذي النظر الصحيح الخالي من شوائب الهوى و التقليد، كما يظهر من سيرته
[١] ظ: سير أعلام النبلاء: ٢٢/٢٧٧ ترجمة رقم: ١٥٧، شذرات الذهب: ٥/١١٦.