الشيعة في مسارهم التاريخي - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢١٢ - كلام أحمد أمين في ضحى الإسلام في حقّ الشيعة
ثم تكلم في التقيّة فقال [١] : التقيّة معناها أن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله مخافة عدوّه فيظهر غير ما يضمر فهي مداراة و كتمان و تظاهر بما ليس هو الحقيقة، و هي عند الشيعة النظام السري في شؤونهم فإذا أراد إمام الخروج و الثورة على الخليفة وضع لذلك نظاما و تدابير و أعلم أصحابه بذلك فكتموه فهذه تقيّة، و إذا أحسّوا ضررا من أحد داروه و أظهروا له الموافقة فهذه أيضا تقية، و التقيّة عند الشيعة جزء مكمل لتعاليمهم تواصوا به و عدّوه مبدأ أساسيا في حياتهم و ركنا من دينهم و رووا فيه الشيء الكثير عن أئمتهم و انبنى عليه تاريخهم، فالأحداث التاريخية كلّها أساسها إمام مختف أو متستر يدعو إلى نفسه في الخفاء و يبث دعاته في الأمصار، فيتخذون البيعة من أنصارهم و يطالبونهم بالكتمان إلى أن يحين الوقت الملائم فيعلنوا الخروج و يحملوا السّلاح في وجه الدولة، ثم نقل عن الكافي عدّة أخبار في التقيّة لا ضرورة إلى نقلها.
و نقول: في كلامه هذا أخطاء من وجوه:
أولا: إنّ التقيّة عند الشيعة هي كما عرفها و هي كذلك عند قومه لا تزيد عنها قيد شعرة، فقوله: هي عند الشيعة النظام السري... الخ، غير صواب، و التقيّة مما جبلت عليه نفوس البشر و اعتمده جميع العقلاء من جميع الملل في كلّ عصر و زمان، و من لا يعمل بها يعدّ متهورا ناقص العقل، و الشيعة لم تزد في التقيّة شيئا عمّا يفعله العقلاء، حتى الأستاذ أحمد أمين حينما يلجئه الخوف إليها و لا يحتاج ذلك إلى آية أو رواية، و مع هذا فقد نص القرآن على جوازها و جوّز إظهار كلمة الكفر و سبّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأجلها و هو أعظم ما يتصوّر، و ذلك يهدم كلّ ما يعيبونه على الشيعة في أمر التقيّة و يهولون به، و إنما كثر ذكرها عند الشيعة لشدّة الخوف و الظلم، و لكن هؤلاء الإخوان الّذين جعلوا نصب أعينهم ستر محاسن الشيعة و التنقيب و البحث عمّا لعلّهم يجدون فيه تنقيصا للشيعة لا يزالون يثيرون كلّ مسألة يأملون أن يجدوا فيها بغيتهم من تنقيص الشيعة و يتبع اللاّحق السّابق بدون تفكير و لا تمحيص.
[١] م. ن: ٣/٢٤٨.
غ