التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٥٤ - معنى الحكومة
ففيما نحن فيه إذا قال الشارع: اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك، و المفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب، فإن الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبينة برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبينة ١ التي منها استصحاب الطهارة.
كما في: «الطواف بالبيت صلاة» مع إطلاقات أحكام الصلاة. و لا بد في كلا القسمين من كون الحاكم له نحو نظر للدليل المحكوم، كما هو مقتضى التنزيل للتعبد، فإنه يستلزم النظر لأحكام ذي المنزلة و أحكام الأمر التعبدية، كما لا يخفى.
(١) هذا وحده لا يكفي في الحكومة، فإنه كما كان مقتضى أدلة البينة إلغاء آثار الاحتمال المخالف، كذلك مقتضى أدلة الاستصحاب ترتيب أثر الاحتمال المذكور و عدم نقض اليقين به المستلزم لإلغاء البينة، و هذا راجع إلى تعارض دليلي الاستصحاب و البينة لا حكومة الثاني على الأول.
نعم إذا كان مفاد دليل البينة إلغاء احتمال الخلاف تعبدا و تنزيلها منزلة العلم توجهت دعوى الحكومة بناء على ما سبق في تفسيرها، لارتفاع موضوع الاستصحاب و هو الشك تعبدا، نظير: «لا شك في النافلة».
و لعل هذا هو مراد المصنف (قدّس سرّه) كما يشهد به ما في بعض النسخ لكن الشأن في كون مفاد دليل البينة و غيرها من الحجج و الأمارات إلغاء الشك و تنزيل الأمارة منزلة العلم، فإنه لا شاهد عليه و لا يقتضيه لسان الدليل المذكور، و المتيقن منه التعبد بمفاد الأمارة و جعل حجيتها لا غير، و هذا و إن كان مستلزما لإلغاء احتمال الخلاف عملا و عدم العمل عليه، إلا أن محض عدم احتمال العمل باحتمال الخلاف لا يقتضي إلغاء الاحتمال شرعا و التعبد بعدمه.
و قد أطلنا الكلام في ذلك و في بعض الوجوه الأخر لتقريب الحكومة وردها في شرح الكفاية. فراجع و تأمل جيدا.