التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٨٩ - المشهور هو التخيير للأخبار المستفيضة الدالة على التخيير
و أنت طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا».
فإن هذه الرواية الشريفة حاكمة على أخبار التخيير جميعا و مفسرة لموردها، و أنها خصوص ما كان النهي للكراهة و الأمر للترخيص، دون ما إذا لم يمكن الجمع بين الخبرين عرفا. و هو المناسب لمورد مكاتبة الحميري و رواية علي بن مهزيار المتقدمتين، كما تعرضنا لذلك في المسألة الثالثة من مسائل الشبهة الوجوبية من أصل البراءة. و به يندفع ما اشرنا إليه من الإشكال بأن حمل كلام الإمام (عليه السلام) على التخيير في المسألة الأصولية مناف لوظيفته، كما تقدم دفعه بذلك هناك.
و بما ذكرنا ترفع اليد عن ظاهر أخبار التخيير، لو لا شهرته بين الأصحاب، خصوصا مثل الكليني (قدّس سرّه)، فإنه قد يكشف عن هجرهم لرواية العيون أو اطلاعهم على ما يوجب صرفها عن ظاهرها. لكن في بلوغ ذلك حدا يخرجها عن الحجية إشكال، لإمكان غفلتهم عن مدلولها، أو عن إمكان الجمع بينها و بين أخبار التخيير بما ذكرنا. و لا مجال مع ذلك للبناء على التخيير.
و لا سيما مع ما ذكره شيخنا الأستاذ دامت بركاته من أن الأصحاب قد هجروا أخبار التخيير عملا، فإنهم و إن ذكروه في الأصول، إلا أنهم لم يعملوا على ما ذكروه في الفقه، فإنا لم نجد موردا واحدا التزموا فيه بالتخيير بعد الاعتراف بتساوي الخبرين.
اللهم إلا أن يحمل ذلك منهم على بنائهم على الترجيح بمطلق المزية، فإن ذلك يوجب ندرة التساوي الذي هو مورد التخيير، لا لاعراضهم عن التخيير في مورد التساوي. أو يكون ذلك منهم احتياطا في اختيار الحجة و إن لم يكن لازما.
فتأمل جيدا. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.