الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٩ - تعليقة- وجوب العمل بمؤدّى الاجتهاد
..........
ضلالة ممّن أخذ بذلك، و زعم أنّ ذلك يسعه.
و اللّه إنّ للّه على خلقه أن يطيعوه، و يتّبعوا أمره في حياة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعد موته، هل يستطيع اولئك أعداء اللّه أن يزعموا أنّ أحدا ممّن أسلم مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أخذ بقوله و رأيه و مقاييسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على اللّه و ضلّ ضلالا بعيدا، و إن قال: لا، لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه و هواه و مقاييسه فقد أقرّ بالحجّة على نفسه، و هو ممّن يزعم أنّ اللّه يطاع و يتّبع أمره بعد قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قد قال اللّه و قوله الحقّ: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ [١] و ذلك لتعلموا أنّ اللّه يطاع و يتّبع أمره في حياة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و بعد قبض اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كما لم يكن لأحد من الناس مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه خلافا لأمر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكذلك لم يكن لأحد من بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يأخذ بهواه و لا برأيه و لا مقاييسه» [٢].
و عن كتاب المحاسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رسالة إلى أصحاب الرأي و المقاييس، «أمّا بعد، فإنّ من دعا غيره إلى دينه بالارتياء و المقاييس لم ينصف و لم يصب حظّه، لأنّ المدعوّ إلى ذلك لا يخلو أيضا من الارتياء و المقاييس، و متى ما لم يكن بالداعي قوّة في دعائه على المدعوّ لم يؤمن على الداعي أن يحتاج إلى المدعوّ بعد قليل، لأنّا قد رأينا المتعلّم الطالب ربّما كان فائقا لمعلّم و لو بعد حين، و رأينا المعلّم الداعي ربّما احتاج في رأيه إلى رأي من يدعو، و في ذلك تحيّر الجاهلون و شكّ المرتابون و ظنّ الظانّون، و لو كان ذلك عند اللّه جائزا لم يبعث الرسل بما فيه الفصل و لم ينه عن الهزل و لم يعب الجهل.
و لكنّ الناس لمّا سفهوا الحقّ و غمطوا النعمة و استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسله و القوّام بأمره، و قالوا: لا شيء إلّا ما أدركته عقولنا و عرّفته ألبابنا فولّاهم اللّه ما تولّوا و أهملهم و خذلهم حتّى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون، و لو كان اللّه رضي منهم اجتهادهم و ارتيائهم فيما ادّعوا من ذلك لم يبعث اللّه إليهم فاصلا لما بينهم، و لا زاجرا عن وصفهم.
و إنّما استدللنا إنّ رضا اللّه غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيّمة الصحيحة، و التحذير
[١] آل عمران: ١٤٤.
[٢] روضة الكافي: ٢- ٦، ح ١.