الاجتهاد و التقليد (التعليقة على معالم الأصول) - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٧٣ - تقرير إجمالي لدليل الانسداد
..........
و من أمثلة الجهة الثانية: أنّ الاحتياط في مسألة الجهر ببسم اللّه في الصلاة الإخفاتيّة أو الإخفات به على القولين بوجوبهما الإتيان بها مرّتين، و قد يكون ممّن لا يجد من الساتر الشرعي إلّا ما لا يقدر على تطهيره، فيجتمع عليه مع التكرار الأوّل في كلّ وقت مع ملاحظة الاحتياط بالصلاة عريانا و الصلاة بهذا الساتر أربع صلوات، و قد يكون مع ذلك ممّن عليه فائتة و حاضرة فيتضاعف العدد، و قد يكون ما عليه من الفائتة أزيد من صلاة واحدة، و قد يكون واحدة مردّدة بين الخمس على احتمال وجوب خمس صلوات أو ثلاث فيزيد على العدد ما يزيد بحسب ما عليه من العدد.
و مع هذا كلّه فكيف يقال: إنّ الشارع جعل الاحتياط- مع عدم انضباطه و استلزامه التعسّر المخلّ بالنظم، بل التعذّر في كثير من صوره- مرجعا في امتثال أحكامه لعامّة المكلّفين الّذين منهم النسوان و منهم الشّباب و منهم المرضى و منهم ضعفاء العقول الّذين يضعف عليهم معرفة كيفيّة الاحتياط و موارده الجزئيّة و متعارضاته و علاج التعارض الواقع فيها.
لكن قد يستشكل في إفادة ذلك مع الإجماع المتقدّم عموم حجّية الظنّ في جميع الوقائع المشتبهة من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، بأنّ نفي الاحتياط بالإجماع و العسر لا يثبت إلّا أنّه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها.
و يندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلّا أو بعضا، بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة لأنّها الأولى بالإهمال، و إذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر، فيبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار، لما تقرّر في مسألة الاحتياط من أنّه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الإتيان بمحتملات الوجوب و قام الدليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر تعيّن مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات و لم تسقط وجوب الاحتياط رأسا.
و ملخّص ذلك: أنّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة لزوم الامتثال العلمي التفصيلي للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالا، و مع تعذّره يتعيّن الامتثال العلمي الإجمالي و هو الاحتياط المطلق، و مع تعذّره لو دار الأمر بين الامتثال الظنّي في الكلّ و بين الامتثال العلمي الإجمالي في البعض و الظنّي في الباقي كان الثاني هو المتعيّن عقلا و نقلا.
ففيما نحن فيه إذا تعذّر الاحتياط الكلّي و دار الأمر بين إلغائه بالمرّة و الاكتفاء بالإطاعة الظنّية و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه في الموهومات كان الثاني هو المتعيّن.